أوقعني الصحافيّ الشاب في حيص بيص. هل أطرده أم أصفعه على وجهه وليكن ما يكون؟ ولكنني عددت حتى العشرة وربما أكثر من ذلك بكثير وتعوذلت وتحوقلت.
كان ذلك في شهر كانون الثاني 2001 في أحد فنادق مدينة القاهرة حينما جاء اليّ صحافي شاب من احدى دول الخليج العربي ويعمل في صحيفة معروفة في بلاده وفي الوطن العربي لاجراء حوار صحفي معي توقعته حوارا أدبيا ثقافيا يتمحور حول نتاجي الأدبي والثقافة العربية الفلسطينية في الداخل وبخاصة أننا في معرض الكتاب الدولي.
كنا يومئذ ما زلنا نعيش أحداث أكتوبر 2000 وكانت دماء ثلاثة عشر شابا عربيا اغتالتهم قوات براك- بن عامي ما زالت طرية. وكانت حملة اعلامية اسرائيلية قاسية شريرة تهاجمنا بشراسة وتنعتنا بالمشاغبين وبأعداء الدولة وبأعداء اليهود. وكانت أقلام اسرائيلية لبرالبية قد تحولت الى أقلام معادية لنا وموالية للمؤسسة. وقد استطاعت تلك الحملة الاعلامية أن تحولنا أمام الرأي العام الاسرائيلي من ضحايا الى قتلة ومن أهل وأخوة ثلاثة عشر شهيدا قتلوا بدم بارد الى معتدين على قوات أمن الدولة، على الجنود والمصفحات والمروحيات، ونجحت هذه الحملة باقناع المواطنين اليهود بمقاطعتنا اقتصاديا فلا يرتادون مدننا وقرانا ومطاعمنا ومتاجرنا ومرافقنا الاقتصادية.
كان رئيس الحكومة في تلك الأيام جنرال من حزب العمل اسمه ايهود براك وكان وزير الامن الداخلي اسمه شلومو بن عامي وهو شخصية اكاديمية كبيرة محسوبة على معسكر الحمائم في حزب العمل أيضا.
جنرال وبروفسور من حزب العمل مسؤولان مباشران عن تحويل مظاهراتنا السلمية الى مظاهرات دامية بحجج واهية كاذبة ومسؤولان عن قتل أبنائنا وجرح العشرات من شباننا واعتقال المئات منهم. كان مقتل العربي وما زال مسموحا ومباحا في هذه البلاد فلا حسيب ولا رقيب.
وكانت طائرات الاباتشي والأف 16 تقصف رام الله ونابلس وجنين وغزة ورفح وغيرها من المدن الفلسطينية وكان عشرات الشبان من أبناء شعبنا يسقطون شهداء ومن بينهم الطفل الشهيد محمد الدرة. كانت الأوضاع قاسية ومرة.
وجاءني الصحفي الشاب الى بهو الفندق وسألني بدون مقدمات: هل برهنتم في أحداث أكتوبر الماضي على أنكم عدتم الى حضن الامة العربية أي أنكم رجعتم الى عروبتكم؟
ماذا يسألني هذا الغرّ الجاهل؟
لا حول ولا قوة الا بالله.
نحن بقينا يا بنيّ في وطننا، في مدننا وقرانا وبيوتنا، على أرضنا وعلى ترابنا، نحرس الزيتون والتين والتراب ونبع الماء: نجوع ونعطش ونسجن ولا نحني هاماتنا. نصارع الحكم العسكري والتمييز والاضطهاد والاقتلاع .
حافظنا على لغتنا وتراثنا وهويتنا وعلى مساجدنا وكنائسنا وسطّرنا ملحمة البقاء والصمود ولا نحتاج الى شهادة من أحد من المحيط الى الخليج تبرهن على عروبتنا بل أعتقد أنكم أنتم من يحتاج الى شهادة منا تعترف بعروبتكم وبوطنيتكم وبانسانيتكم وهيهات هيهات أن نمنحها لكثيرين من سادتكم ومثقفي البلاط ومن لفّ لفّهم فهل تفهم؟
وحمل الصحافي الشاب جهاز التسجيل وغادر الفندق بدون استئذان وبدون وداع.
