*تحريض في بعض المساجد قاد الى حرق مخيم الأطفال بغزة
*إنني على قناعة بان هناك الكثير من الإخوة في قيادة حركة حماس وكادرها لا يتفقون ومثل هذه النشاطات التخريبية التي لا تتفق وفكر حركتهم الذي امتاز بالوسطية
يوم اثر يوم تتزاحم الأحداث التي تؤكد بان هناك تدميرا ممنهجا لما رسّخته مسيرة شعبنا المجيدة من قيم وطنية ديمقراطية جوهرها إنساني تقدمي، حافظ طوال الوقت على أصالة شعبنا وطابعه الإسلامي بعيدا عن التطرف والانغلاق، وعزز مفاهيم وثقافة الحرية والتوحد والتكافل والتسامح، فكان لذلك دورا أساسيا وفاعلا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الداخلي، وكذلك رافدا من روافد صمود شعبنا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، وتفانيه في مقاومته بكافة الأشكال .
وان كان العديد من المؤشرات والممارسات التي برزت في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة تعبر عن انتهاك واضح لتلك القيم، فإنها تؤكد على تنامي الأفكار التي تريد لشعبنا الانزواء في مجاهيل الظلام والتخلف، وتبقيه عاجزا أسيرا لأفكار غريبة نشأت في بيئة تختلف عن البيئة الفلسطينية الإسلامية التي امتازت طوال الوقت بالاعتدال والوسطية .
للمرة الثانية وتحت شعار 'الدين' تحرق مخيمات للأطفال على شاطئ قطاع غزة، مخيمات أنشئت لغرض تربوي إنساني، هدفها الترفيه عن أبناؤنا الأطفال خلال العطلة الصيفية، العاب ورحلات وثقافة عامة، وهي ليست في إطار التعبئة السياسية التنظيمية أو الدينية أو العشائرية، كما أنها ليست تحشيدا لأحد على حساب احد أخر، وهي بالتأكيد ليست مخططا انقلابيا، ولم تعد محفلا للاختلاط بين الجنسين خوفا من ' الرذيلة' ... شيء عجيب أن تُتهم هذه المخيمات بأنها أماكن لتشجيع "للرذيلة والفساد"، ومن قبل من؟ من قبل بعض مشايخنا ' العظام ' الذين يعتلون منابر المساجد ويطلقون الاتهامات دون رادع ديني او أخلاقي، هل فكر هؤلاء فيما يقولون ؟ وهل أدركوا بان مثل هذه التعبئة ستؤدي إلى ما كان عليه من حرق هذه المخيمات، أم كان الهدف من وراء ذلك الوصول لمثل هذه النتيجة ؟ وهل تسال هؤلاء عن سبب مشاركة الأطفال الواسعة بمخيمات هذا العام بالمقارنة مع السنة السابقة ؟ أليس في ذلك تحدّ مجتمعي لدعواهم وتحريضهم غير المتزن ؟ أليس هو رسالة مجتمعية لابد وان توقد ضمائرهم لما فيه خير لهذا الشعب المعذب المحبط المغلوب على أمره، الذي أثقل عليه الانقسام والحصار بما لا تتحمله جبال ؟ ألا يدرك من أحرقوا مخيمات الأطفال في المرتين، بأنهم اثبتوا المرة تلو الأخرى بان تحريضهم وأفكارهم لا تلقي استجابة مجتمعية وبان ليس لها رصيد حقيقي على ارض الواقع، لذلك سعوا للعنف والإرهاب كوسيلة لكبح هذا التحدي المجتمعي ومن قبل وكالة الغوث الدولية ؟
الظاهر أن البعض قد أباح لنفسه كل المحظورات، واستسهل تجاوز كل الخطوط الحمر، ولم يعد يهمه لا مستقبل الطفولة في بلادنا، ولا حتى أن يفرح الناس بطريقتهم الخاصة، كوسيلة للتمرد عل الألم والإحباط واليأس، وكأنه يراد لهذا الشعب أن يكسر من ألفه إلى يائه، لتُسلب إرادته وليسهل تطويعه لأجل أجندات هي بالتأكيد لا تخدم شعبنا ولا مستقبله الوطني الحضاري .
إن هذا الانفلات المجنون يجب لجمه بكافة الوسائل، وأول من يجب القيام بذلك أجهزة الحكومة المقالة، والأخوة في حركة حماس باعتبارهم الحزب الذي يتولى مقاليد الحكم في هذا الجزء من الوطن، فلا يعقل الحديث عن فلتان بهذه الطريقة وهم الذين يمسكون بتفاصيل الحالة الأمنية في قطاع غزة، كما لا يعقل أن يغضوا الطرف عن حملة التحريض المجنونة في العديد من المساجد التي أسست لمثل ذلك، وتؤسس لغيرها من مظاهر الفلتان واللجوء للعنف تنفيذا لبعض القناعات .
إن الاستمرار في هذا المسلسل الخطير سيضع المجتمع أمام تحديات خطيرة، كما سيضع حركة حماس أمام تساؤلات تتعلق بالاتجاهات الفكرية المتنامية التي تفعل فعلها في منطقة تسيطر عليها الآن، وعن الإستراتيجية التي تريد للمجتمع أن يسير نحوها .
إنني على قناعة بان هناك الكثيرين من الإخوة في قيادة حركة حماس وكادرها لا يتفقون ومثل هذه النشاطات التخريبية التي لا تتفق وفكر حركتهم الذي امتاز بالوسطية رغم بعض الملاحظات، وانصح بان تتابع كافة التفاصيل خاصة فيما يقال من على منابر المساجد، لتبقى هذه الأماكن مصادر لإشعاع المحبة والتآخي والتسامح والوحدة، ومجادلة الأخر بالتي هي إحسان .
كما أدعو مختلف القوى والفعاليات الإعلامية وكذلك المثقفين والكتاب للتصدي لكافة الممارسات الشاذة عن قيم المجتمع وأصالته، وان يعبروا عن ذلك بكافة الوسائل الممكنة .
(عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني – غزة)
