ليلة سقوط "الجزيرة"

single

صور أمير قطر تتقدّم مظاهرات سيّرتها حماس في غزة، أمس!!

 

كثيرًا ما أخطأت "الجزيرة" بحق الشعب الفلسطيني وكثيرًا ما أمعنت في زرع بذور الفتنة والانقسام، وفي بعض الاحيان والمناسبات كانت الاخطاء اقرب الى الخطيئة ولكنها المرة الاولى التي ارتقت بخطاياها الى مستوى الجريمة المدبرة.
جريمة "الجزيرة" لا تحتاج الى محقق حاذق مثل كولومبو وهي ليست جريمة غامضة كتلك التي عهدناها في روايات أغاثا كريستي. إنها من سوء حظ القائمين عليها جريمة مفضوحة ومعروفة الاسباب والدوافع ومعروفة الادوات والاساليب وكذلك الاهداف والغايات والنتائج.
أُختلف كثيرًا مع بعض الزملاء من الكتّاب والصحافيين الذين ذهبوا الى الاعتقاد بأن هذه الجريمة أعدت على نار هادئة، وجرى الإعداد لها واخراجها بكل تأنٍٍّ وروية. فعلى العكس من ذلك أميل الى الاعتقاد بأن "أهل الجزيرة" كانوا يخططون بالأساس على اقل من "مهلهم" فإذا بشيء ما يداهمهم على غير توقع، ما اضطرهم الى سلق الموضوع وهذا بالضبط هو الذي يفسر حجم الاخطاء القاتلة التي ارتكبها الجناة وهذا هو بالذات الذي يفسر هذا القدر الكبير من التناقضات التي اوقعت "أهل الجزيرة" في هذه الورطة المخزية. لست على يقين تام ولا أعرف السبب المباشر او الحدث الذي داهم "أهل الجزيرة" ولكننا نستطيع أن نخمّن بأن الإدارة الاميركية ليست راضية عن الاداء السياسي الفلسطيني وقد عبرت عن غضبها من التوجه بملف الاستيطان الى مجلس الأمن، واستدعت معظم السفراء العرب هناك لحثهم على إقناع الفلسطينيين بسحب الملف، ومعرفة بقية القصة وكيف ان احد الامراء الثوريين قد وعد السيد ميتشل بالمساعدة على طي هذا الملف خصوصًا وأن لديه (الأمير الثوري) ما يكفي من الوثائق "لليّ" ذراع القيادة الفلسطينية.
كما نستطيع أن نخمن بأن الادارة الاميركية ليست مرتاحة على الاطلاق لرفض القيادة الفلسطينية العودة الى طاولة المفاوضات دون الوقف التام للاستيطان وفي القدس الشرقية خصوصًا، لأن هذا الرفض الفلسطيني يحرج الادارة الاميركية ويظهر عجزها التام عن ممارسة الضغوط المطلوبة على اسرائيل، مما يمهد موضوعيًا لنجاح الحملة الدبلوماسية الفلسطينية وما يخلقه هذا النجاح في الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الاراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967 من خلق واقع سياسي جديد هو بمثابة أمر واقع سياسي يهدم الامر الواقع الذي تفرضه اسرائيل على الارض بقوة الاحتلال وجرافاته، والوصول في نهاية المطاف الى أمر واقع سياسي شرعي مقابل أمر واقع غير شرعي ومدان من المجتمع الدولي.
ونستطيع أن نخمن ايضًا ان النجاحات التي تحققها السلطة الوطنية عبر حكومتها الشجاعة والتي تميزت بسياسة الإقدام والمبادرة والإنجازات الحقيقية في البناء وترسيخ مقومات الصمود والأشواط التي قطعتها على طريق المأسسة، وتجهيز أسس الدولة الوطنية المستقلة... نستطيع أن نخمن بان هذه النجاحات ستقطع الطريق على الانقسام وأهله ومموليه والذين أعدوا له والذين نفذوه وغامروا بكل شيء في سبيل نجاحه، وان من شأن استمرار نجاحات حكومة السلطة الوطنية ان يطيح "بالنموذج" الانفصالي وان يقوض أركانه في القادم القريب من الايام وليس البعيد منها على الاطلاق. وبذلك يمكن ان تتم الاطاحة بكل الاهداف الاسرائيلية الخبيثة التي خططت لها من خلال الانسحاب الاحادي الجانب من قطاع غزة في حينه وتعود الامور الى مربع الصفر وكأنك "يا ابو زيد ما غزيت".
ونستطيع ان نخمن ايضًا ان "أهل الجزيرة" يعرفون الآن على الاقل ان الانقسام فقد "بريقه" الذي تم الرهان عليه وان الانقسام دخل في أزمة جديدة او هو يدخل في أزمة متجددة كلما حققت القيادة الشرعية تقدمًا على صعيد الصمود السياسي وعلى صعيد البناء الوطني وفي كامل العمل السياسي الدبلوماسي على الصعيد الدولي.
وأهم ما نستطيع ان نخمّنه ايضًا هو ان "أهل الجزيرة" ربما يكونون قد فهموا بأن اسرائيل قد شرعت بالعمل المعلن ضد القيادة الوطنية الشرعية وانها باشرت باتخاذ التدابير التي من شأنها التمهيد للمعركة ضد هذه القيادة، الامر الذي جعلهم يستنتجون بتسرع ينم عن خفة كبيرة بأن الوقت أمامهم آخذ بالنفاد وان الفترة الفاصلة بين يومنا هذا (أقصد مسرحية الوثائق) وخريف هذا العام هو الفرصة الاخيرة، وإلا فإن مشروع الاسلام السياسي في غزة سيطير من الايدي كلها. الايدي التي خططت والتي مولت والتي راهنت والتي شرعت والتي نفذت والتي وظفت والتي صمتت والتي غطت والتي استحسنت ايضًا.
من سوء حظ "أهل الجزيرة" ان التوقيت الذي راهنوا عليه واعتبروه "ضربة معلم" كان هو نفس التوقيت الذي أفشل هذه المسرحية، ومن سوء حظ "أهل الجزيرة" ان التسرع الذي حكم سلوكهم قد قضى على أهدافهم وفضح نواياهم وكشف عن تواضع تقديراتهم. ومن سوء حظ "أهل الجزيرة" ان السحر قد انقلب على ما يبدو على الساحر، وأغلب الظن ان مسرحية الوثائق التي راهنت عليها "الجزيرة" ستكون البداية الحقيقية لسقوط هذا المنبر وتهاويه في الساحة الوطنية.
كنا ندرك دائمًا ان "الجزيرة" استغلت العطش العربي الى الديمقراطية والى لغة الحوار والى لغة احترام الرأي الآخر وادخلت عبر امكانيات هائلة سخرت لها مفهوم الجدل، وتحول الجدل تدريجيًا الى الاداة التي من خلالها يتم تعهير كل ما هو وطني وكل ما هو قومي وكل ما هو ديمقراطي حقيقي، وتحول الجدل الى معول هدم وأداة لزرع الفتن والى اسلوب خبيث لتفتيت النسيج الوطني في طول بلاد العرب وعرضها.
كنا ندرك ان "الجزيرة" كانت الأداة التي من خلالها يتحول المواطن العربي الى إنسان يشك في كل القيم ومحبط من كل شيء وليس له من أمل ولا من ملاذ.
عبر "الجزيرة" يتم إفراغ المواطنة العربية والمواطن العربي من روح الثقة وروح الايمان بعدالة القضايا القومية وبإمكانيات تراكم الوعي والإنجاز.
الهزيمة والتبشير بها هو الجوهر الأعمق لما قامت به "الجزيرة" وما قامت عليه. و"الجزيرة" حينما تنحاز الى طرف ضد آخر في الساحة الفلسطينية او الساحات العربية فإنها تفعل ذلك بالقدر الذي يخدم هذا الانحياز هدف الهدم المطلوب وحجم الدمار الذي يخطط له في دوائر كبيرة وأكبر بكثير من "الجزيرة" وأكبر ربما من كل "أهل الجزيرة" والله أعلم.

 

("الأيام")

قد يهمّكم أيضا..
featured

أٌمَّاهُ! لا تَغْسِلِي حِذائِي..

featured

العثمانيّون العرب: سؤال الهويّة (2-2)

featured

الجيش الاسرائيلي يقتل أبرياء بينهم أطفال

featured

الجبهة مصدر اعتزاز

featured

الطبقة العاملة في ظل استشراس قوى رأس المال

featured

من الذي انتصر في هذه الحرب؟

featured

ستبقى ذكراك خالدة في قلوبنا يا ابا خالد

featured

لنصون هذا الصرح