توقف إطلاق النار العسكري بين اسرائيل وغزة فلسطين في حرب "الجرف الصامد". بدأ "اطلاق النار" السياسي على وعي الناس بين الجاني المحتل والضحية المقاومة. الطرفان يدّعيان الانتصار وتحقيق أهدافهما، مع ان كلاً منهما ينفي المبادرة لهذه الحرب ومن ثمّ وضع اهداف لها.
تقول اسرائيل انها هي التي انتصرت. وانه بفضل عِظم قوة جيشها أهلكت وسحقت ومحقت وجرشت وطحنَت وفرمَت وهرست وردعت وكوت المنظمات "الارهابية" – (كل كلمات الافعال تلك من القاموس العبري – الاعلامي لتلك الحرب). وتضيف ان "كي الوعي" هذا سيجعل تلك التنظيمات تفكر مائة مرة قبل ان تجرؤ ثانية على اطلاق النار باتجاهها.
لكن لا تبلغنا اسرائيل التي تدّعي انها تنتصر في كل هجمة ومعركة وحملة وحرب تخوضها ضد العرب – (هل يستطيع احدكم احصاءها منذ ال 1948 حتى اليوم؟)، لماذا اذاً تعود كل سنتين او ثلاث لاشعال حرب جديدة بهدف الانتصار في حرب كانت قد انتصرت فيها؟
قادة حماس ايضا يدّعون الانتصار، بل ويقيمون احتفالات النصر ومسيراته ومهرجاناته اللاعفوية واللاجماهيرية، رأساً بعد خروجهم من بين انقاض عمارات غزة ومقابر شهدائها الجماعية ومن مخابئها وانفاقها تحت الارض. وتخطب حماس انها هزّت واستنزفت ومرّغت العدو بالتراب وهجّرت سكان جنوب بلاده واغلقت مطاره وزعزعت ثقة الاسرائيليين بجيشهم. وتضيف انها بانتصارها قرّبت موعد تحرير الاقصى وفلسطين، كل فلسطين، "ان شاء الله" – يستدرك الخطيب.
*"انتصار" فاتح القرية...*
"الجرف الصامد" هي الحرب العدوانية الأطول زمناً (51 يوماً!) والاكثر إجراماً وتدميراً وقتلاً بين الاربعة حروب – حملات - التي شنتها اسرائيل على المناطق المحتلة خلال 12 عاماً، ابتداء بحملة "الجدار الواقي" على الضفة في آذار – ايار 2002 وانتهاء بثلاث حملات على غزة في آخر ست سنوات. وهي "الرصاص المصبوب" كانون اول 2008 – كانون ثاني 2009، و"عمود السحاب" – تشرين ثاني 2012، و"الجرف الصامد" من 8 تموز الى 26 آب 2014.
الجيش الخامس عالمياً، من ناحية تدريج قوته وترسانته العسكرية المتطورة جداً وخبرته الغنية في شن الحرب، يجنّد افضل الفرق القتالية لديه من الجيش النظامي ويستدعي 82 الف جندي احتياط ويهجم جوّاً وبرّاً وبحراً على "دولة غزة العظمى"...
وغزة قطاع جغرافي طولي ضيّق لا يتعدى طوله 41 كم ومساحته 360 كم. وهو قطاع مقطوع مفصول عن الضفة ومحاصر منذ 8 سنوات. يقطن هذا "السجن الكبير" المكتظ بكثافة سكانية عليا مليون وثمانمائة الف انسان يحدهم السجّان الاسرائيلي من الجهات الاربع وسماءً وبراً وبحراً. الغالبية الساحقة لنزلاء هذا السجن من لاجئي نكبة ال 48 في جنوب فلسطين، ويحتلون "قصب السبق" عالمياً، فقراً وبطالة واوضاعاً صحية مزرية. هم يفتقرون حتى الى توفّر الماء والكهرباء والدواء والوقود بشكل دائم. ولا يمتلك المقاتلون المنظمون من بينهم الا اسلحة بدائية. يقال ان عدد هؤلاء المقاتلين يتراوح بين 15 الى 20 الف فقط.
في ظل عدم التوازن اللوجستي الفظيع، سلاحاً وبشراً، تكون النتائج العسكرية لهذه الحرب الاجرامية "جرفاً صامداً" تدميرياً ودموياً لغزة: بشراً وبنياناً. ويحق لاسرائيل ان تتفاخر بانها حقاً صاحبة السبق دولياً والمنتصرة دوما والفائزة بجائزة "نوبل" في الجريمة الجماعية وإرهاب الدولة. فهلّلوا لها مع محمود درويش "مرحى لفاتح قرية، مرحى لسفّاح الطفولة". اما غزة فصمدت في القتال 51 يوماً ولم تستسلم. لذا هلّلوا لها مع سميح القاسم: "ربما تبقى على قريتنا كابوس رعب ... لكن لن اساوم والى اخر نبض في عروقي سأقاوم".
لندع الأرقام تتكلم: سقط 2140 شهيداً فلسطينياً وأصيب بالجراح والتشويه 11000. وهنالك 89 عائلة كبرى انقرضت كلياً، أي لا يوجد بين اجيال افرادها من بقي حيّاً لتقديم التعزية له. تضرر 22562 مبناً ومسكناً ومؤسسة، بما فيها من متاجر ومكاتب ومشاغل ومصانع ومدارس ومستوصفات ومستشفيات ومدارس وجوامع ... الخ. وكان بينها اكثر من 11000 منزلاً هُدِم منها كلياً 2800 بيتاً والباقي اما غير صالح للسكن او بحاجة لترميم.
43% من مساحة غزة تعرضت للقصف. وجرى قصف 5000 هدفاً فيها. بلغت طلعات الطائرات 5800 طلعة، عدا عن القصف البري والبحري. بالمعدل تلقت غزة 1000 قذيفة في كل يوم حرب – (كانت ايام تهدئة) – بمعدل 42 قذيفة كل ساعة. هذا يعني سقوط مائة طن من المتفجرات يومياً. وتتفاخر اسرائيل ان 90% من التصويبات والإصابات كانت دقيقة.
لا توجد عائلة في غزة لم تتضرر اما مباشرة أو بشكل غير مباشر. وجرى تهجير 480 الف انسان، أي ربع السكان. وفقط 60% منهم وجد له مأوى في مؤسسات الاونروا محشورين معلّبين كالسردين. هدمْ البرج الاسكاني الايطالي لوحده في غزة خلّف الف انسان بلا مأوى. والتقدير الأوّلي ان غزة بحاجة إلى ما بين 8 الى 10 مليارات دولار للترميم وإعادة البناء وان هذا قد يستغرق عشر سنوات عمل. لذا لا نتجنب الحقيقة اذا أضفنا الى أسماء الكوارث الطبيعية المدمّرة الخمس، الهزة والتسونامي والبركان والإعصار والزلزال، اسماً لكارثة سادسة تُدعى اسرائيل.
وبالمقابل، بلغ عدد القتلى في اسرائيل 72 شخصاً بينهم خمسة مدنيين والباقي جنود. وبلغ عدد الذين احتاجوا للعلاج بضع مئات غالبيتهم الساحقة مدنيون وغالبية هؤلاء المدنيين لم يُدموا حتى، وانما اصيبوا بالفزع والصدمة. وفقط ما يقارب المائة انسان كانت جراحهم متوسطة ولم يبق من هؤلاء للعلاج في المستشفيات بعد ايام قليلة من الحرب الا عشرة جرحى! اما من ناحية المباني فلم يجرِ تدمير أي بيت في اسرائيل، وأصيب بعضها – أقل من عدد أصابع الانسان - بخدوش طفيفة.
فمن الذي انتصر ومن الذي انهزم في هذا الجرف العسكري التدميري والدموي، ذاك الذي بالكاد شعر "باهتزاز طفيف في جناح الطائرة" حين كان يطلق منها الصواريخ والمتفجرات على البشر – (هكذا قال رئيس الاركان الاسبق اشكنازي عن صولاته في سماء غزة حين كان طياراً) – ام الذي فُتِحَت عليه باب جهنم النار والدمار والموت الأكيد؟ سنأتيكم بالإجابة ...
*جدلية الانتصار والهزيمة*
الحرب استمرار للسياسة بوسائل عنيفة. والسياسة هي استمرار للحرب – للصراع العنيف – بأدوات سلمية حوارية ودبلوماسية. تشتعل الحروب لأسباب سياسية وتهدف الى تحقيق اغراض سياسية. ولا توجد حرب من اجل الحرب، حتى الحملة العسكرية المحدودة. وما من هدف سياسي من المضمون تحقيقه بين قوتيْن متصارعتيْن الا إذا دعمه في الخلفية الإعداد والاستعداد للمواجهة وللمقاومة وللحرب، لإفهام الخصم ان عليه ان يستجيب ويُقلع عن عدوانيته او يُفرَض عليه ذاك بالقوة.
بناءً عليه من المفروض عموماً ان يقود الانتصار العسكري الى انتصار سياسي وان تقود الهزيمة العسكرية الى هزيمة سياسية. لكن المهزوم عسكرياً ان لم يخنع ويستسلم وواصل تحدّيه وتصدّيه ومقاومته... يحجّم الانتصار العسكري للخصم ويحيل من هزيمة ذاته العسكرية الى انتصار سياسي. لذا ما من انتصار عسكري واضح وبيّن وقاطع حاسم الا اذا اجتمع وتوافق وتداخل مع الانتصار السياسي.
بإمكان اسبرطائيل ربما ان تنتصر عسكرياً في كل مكان في شرقنا العربي، لكن هذا لن يأخذ بها الى أي مكان، الا الى الاستعداد للحرب القادمة لوهم تحقيق الاهداف السياسية التي فشلت في تحقيقها الحرب التي سبقتها وسبقت التي سبقتها. وهكذا دواليك.
ولا يقاس الانتصار في حروب السياسة وسياسة الحروب بموازين تقوم فقط على اساس الرياضيات والحقائق الرقمية. أي باحتساب عدد الاهداف والمعدّات العسكرية والمقاتلين والمدنيين والمنشآت والبيوت التي اصابها ودمّرها وقتلها الجاني المعتدي على ارض الضحية المقاومة.
الانتصار ، عدا عن اعتماده على الوقائع العسكرية والسياسية، هو في الوقت نفسه قناعة فكرية وسياسية وشعور واحاسيس ونفسيات ومعنويات. ولن يكون بامكانك اقناع المهزوم عسكرياً بهزيمته ان لم تنجح في ردعه وإحباطه. وسيتعذر عليك إحباطه مهما كنتَ دولة قوية اذا كانت حركة المقاومة مؤدلجة، علمانيا او دينيا، وتخوض "حرب عصابات". فمهما تكبدها الدولة من الخسائر ستواصل كفاحها وتدعي ان مجرد مواصلتها لطريقها هو انتصار. وفي هذا الكثير من الحقيقة.
*بوركت المقاومة*
ينصحنا البعض بعدم خوض نقاش عن موضوع اذا كانت المقاومة قد انتصرت أم لم تنتصر. ويدّعي ان هذا نقاش اخترعته بعض الانظمة العربية لتقول إن المقاومة تخسر كل معركة تخوضها، ولتحميل الضحية التكلفة البشرية التي يسببها الاحتلال. ويضيف ان ذاك البعض يريد اقناع الاسرائيليين انهم انتصروا في الوقت الذي يقول فيه الاسرائيليون انهم لم ينتصروا.
نجيب: هذا نقاش طبيعي بل وضروري لاستخلاص الدروس، بما فيه درس تحسين اداء المقاومة. وهو نقاش موجود في كل بيت عربي. وليس صحيحاً ان الاسرائيليين يقولون انهم لم ينتصروا عسكرياً، من ناحية ميزان الدمار والقتل. وعن أي اسرائيليين يجري الحديث؟ فهنالك اسرائيليون، على يمين اليمين للتيار اليميني الاساسي في حكومة اليمين، يقولون ذلك لانهم يريدون ان يكون الانتصار بتسطيح واحتلال غزة وإبادة المقاومة كلياً.
اما مسألة تحميل الضحية لا الاحتلال المسؤولية عن التدمير والقتل، فمن العار تحميل غالبية الناس العرب وزر انحطاط وخيانة قلة تتاجر بالعروبة وبالوطنية. ما من ضحية بشرية او بنيوية استشهدت وسقطت الا وتتحمل اسرائيل مسؤوليتها، بمن فيهم الضحايا الاسرائيليون الذين قتلتهم المقاومة في صدها للعدوان. لقد قتلتهم وأجرمت بحقهم اسرائيل بإرسالهم لحرب اجرامية ولعدم استعدادها دفع مستحقات السلام العادل التي تجنّبنا الحروب. وبوركت المقاومة على صمودها وتصديها وتكبيدها للعدو المحتل بعض الخسائر، رغم فائض الثمن الخسائري التي دفعته هي.
*انتصار الهزيمة وهزيمة الانتصار*
انتصرت اسبرطائيل عسكرياً ، تدميرياً ودموياً. لكنها لم تنتصر سياسياً. لا اقول هذا انتصار شرٌ من هزيمة. ولكنه انتصار منقوص، دون التقليل من أهميته ومن امكانية تأثيره لتحقيق مكسب سياسي تنشده اسرائيل. والهوّة واسعة جداً بين كفة ميزان ضحاياها ومعاناة مواطنيها – خصوصاً سكان مستوطنات الجنوب المحاذية لغزة،
وبين كفة غزة بعدد شهدائها وجرحاها وأحيائها المهدومة ومعاناة قرابة مليونَيْ مواطنيها.
ثم عموماً، عدا عمّا اوردناه سابقاً عن جدلية الانتصار والهزيمة، يجب ايضاً فحص الاهداف التي وضعها المعتدي لحربه لوزن مدى انتصاره بناءً على مدى تحقيقها. وللأسف بعض عربنا يبتدع أهدافاً لم تضعها اسرائيل لحربها، وذلك حتى يقول انها انهزمت لعدم تحقيقها. وكأننا نريد انتصاراً كذاباً، مع انه تتوفر عندنا بعض انتصارات حقيقية.
لم يكن بين اهداف اسرائيل لهذه الحرب اعادة احتلال غزة، وإسقاط سلطة حماس ونزع سلاحها، وتصفية المقاومة. الهدف الذي حددّته وقررته الحكومة الاسرائيلية لحربها العدوانية هو تحقيق الامن والهدوء لسكان البلاد، خصوصاً لمستوطنات الجنوب، وإيقاف إطلاق النار باتجاههم من غزة وإضعاف البنية التحتية العسكرية للمقاومة. هذا ما أوكلت به الجيش لتحقيقه. ولا اعتقد انه من المفيد التنكر لوقائع ما حققه العدوان بهذا الخصوص.
ستحسم المفاوضات في القاهرة وما سيتمخض عنها مصير "الهدوء مقابل الهدوء" الحاصل الآن مؤقتاً بسبب تفاهمات وقف إطلاق النار. اما مسألة توجيه ضربة قوية للقوة العسكرية القتالية للمقاومة فلقد حسمها استشهاد مئات المقاتلين بمن فيهم بعض قادة المقاومة ودوائرها. وإصابة وتدمير آلاف القاذفات والصواريخ ومنصات الاطلاق والمخازن ومشاغل التصنيع. هذا عدا عن الهدم الفظيع للأبنية ولأحياء كاملة والقتل الافظع للمدنيين والمس بالحاضنة الاجتماعية للمقاومة والمؤسسات الخدماتية.
لكن هذا، اعلاه، انتصار عسكري وليس سياسياً واستراتيجياً. وما دام كذلك لن يحقق لا الهدوء ولا الأمن، بل هو يُنذر بجولة عسكرية قادمة لأن الحرب التي لا تنتهي بحل سياسي... لا تنتهي. وبناء عليه هذا انتصار عسكري منقوص ومحدود ومعطوب وباهظ الثمن بحق المعتدي ايضاً.
كوت اسرائيل البيوت وساكنيها بنيرانها. لكنها لم تستطع كي وعي الغزاويين بضرورة وواجب المقاومة ودعمها. وما من وعي انكوى الا وعي الاسرائيليين بامكانية حسم القضية السياسية العادلة بفائض القوة العسكرية الاجرامية. اصبح الكاوي مكويّاً. وقتل عسكر اسرائيل مئات المقاتلين الفلسطينيين لكنه لم يستطع قتل روح القتال في غزه.
بالمقابل خسرت المقاومة عسكرياً لكنها لم تنهزم. وحققت بعض النجاحات حتى على هذا الصعيد. هي لم "ترد الصاع صاعيْن"، كما يبالغ بعض الحماسيين، لكنها لم تخنع امام حق القوة. وبقوة الحق صمدت القلة المقاومة 51 يوماً في التصدي لأقوى الجيوش وكبّدته الخسائر بالأرواح (67 ضابطا وجنديا قتيلاً و 5 مدنيين). وصحيح ان قاذفاتها وصواريخها لم تقتل عموماً وأخطأت بغالبيتها الهدف أو اسقطتها "القبة الحديدية". لكنها "قتلت" الهدوء والأمن للجاني. ومسّت بهيبة ومقدرة الدولة وعسكرها على توفير الأمان لمواطنيها، وأفهمتهما أن الاعتداء على غزة ليس نزهة تنتهي بأسبوع وتكون تكلفتها رخيصة.
شوشت المقاومة الحياة الطبيعية لنصف سكان اسرائيل تقريباً، وبشكل خاص لمئات آلاف سكان البلدات المحاذية لحدود غزة. وسبّبت خسائر فادحة للاقتصاد الاسرائيلي بكل مرافقه الصناعية والتجارية والزراعية والسياحية والخدماتية والترفيهية، بما فيها حركة الطيران. ومسّت في الصميم بقناعة المواطن الاسرائيلي بقدرة حكومته وجيشه "الذي لا يُقهر" على الانتصار والحسم في كل حرب على فلسطين.
ويبقى الانتصار الاكبر والأبرز للمقاومة ابرازها للقضية الفلسطينية ووجوب ايجاد حل عادل وسريع لها، وإحياء هذه المسألة على الصعيد الدولي والعربي ايضاً. واستقطبت تعاطفاً وتأييداً عالمياً، وزادت من عزلة اسرائيل والتظاهر ضد اجرامها وإدانتها وتزايدت حملة المقاطعة لها ليس في امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا فقط، وانما في اوروبا وامريكا ايضاً. وليس على الصعيد الشعبي الجماهيري فقط، وانما ايضا بين صفوف المثقفين والاكاديميين وفي وسائل الاعلام وعلى الصعيد الرسمي.
وتبقى جوهرة التاج في هذه الانجازات – الانتصارات، الواردة اعلاه، نشر وتعميم ثقافة ونهج المقاومة والصمود والتصدي والمواجهة للجم اسرائيل ولاستلال المكاسب من بين انيابها. وسيكون لهذا الامر تداعيات على الصعيد العربي شعبياً واحزاباً وحكاماً. فهذا الصمود كشف العجز العربي الرسمي وعُقم وضعه لكل اوراق الحل في ايدي امريكا وعلى طاولة الاستجداء لها ولإسرائيل. مفتاح الحل في يد المقاومة اولاً. وما فائض قوة اسرائيل الا نتاجاً لفائض العجز العربي الرسمي. هذا هو الاستنتاج والدرس الاول والانتصار الاكبر لغزة المقاومة. لقد حققت بصمودها 51 يوماً ما لم تحققها المفاوضات العبثية والاستجداءات الانبطاحية الفلسطينية والعربية، وجامعة الدول العربية، والدول المانحة والرباعية والامم المتحدة، مجتمعة معاً.
ولاحظتُ ان صمود المقاومة اخترق حتى الشارع الاسرائيلي ووسائل اعلامه وشتى أطيافه السياسية بما فيها حتى تلك الصهيونية الوسطية واليمينية. جديد اسرائيل اليوم ليس عنصريتها وعدوانيتها وبروز اوساط فاشية فيها. جديدها هو ارتفاع صوت وقناعة بعض الاوساط أنه بالقوة لا يمكن حل القضية، وأن ضمان أمن وراحة اسرائيل ومواطنيها وعيشها بسلام في المنطقة مرهون بحل القضية الفلسطينية وضمان أمن وحرية الفلسطينيين. لا أقول إن هذا هو البارز الطاغي في إسرائيل، بل أقول هذا هو الجديد النامي. وتُحْسن المقاومة والسلطة الفلسطينية والدول العربية صنعاً ان انتبهت الى هذا الجديد وسعت الى تطويره.
واخيراً، من التوصيفات التي تتردد في حديث الاعلام والشارع في اسرائيل بخصوص تقييم عدوان "الجرف الصامد" وجدلية الانتصار والهزيمة فيه، هي "الحامض الحلو". في بعض حلو الانتصار لطرفي الصراع الحربي، الجاني والضحية، بعض حموضة. وفي بعض حموضته بعض حلو.
وبلغة السياسة نقيّم ان "الجرف الصامد" أسفر عن هزيمة للانتصار وانتصار للهزيمة لطرفي الصراع. هذا يحدث حين لا يتكامل ويتجانس الانتصاران العسكري والسياسي، فلا يأتي أي من الطرفين بالنتيجة المرجوّة له. ويفتح هذا التناقض المجال لكل طرف بادعاء الانتصار الكامل.
كيف تقرب فلسطين وعد وموعد تحقيق الانتصار الكامل المنشود؟ وما هو الدور المطلوب من م.ت.ف. والسلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة لتحقيقه؟ هذا هو موضوع المقال القادم...
