وترجل فارس الكلمة وسيد الشعر في الحادي والعشرين من اب لعام 2014 وتوقف القلب الذي ظل ينبض بحب الحياة والوطن لخمسة وسبعين عاما. واحتضن تراب الوطن في مسقط رأسه في الرامة ثراه الطاهر الى مثواه الاخير في جنازة مهيبة تليق بمقام حضرته ندى لها جبين حيدر فانحنى لها اجلالا واكبارا لابي الوطن محمد.
علو في الحياة وفي الممات علوت في حياتك يا شاعر فلسطين والعروبة يا شاعر الثورة والمقاومة يا حادي فلسطين سطرت كلماتك بقصيدة يتغنى بها اطفال فلسطين وكل فلسطيني وعربي حر وغناها عاشق فلسطين الفنان مارسيل خليفة: "منتصب القامة امشي مرفوع الهامة امشي في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي وانا وانا امشي".
يا توأم محمود درويش وثالوث توفيق زياد ورباعي عبد الرحيم محمود يا شعراء فلسطين وحداة عيسها قاومت فقاوم وسجل انا عربي وهنا باقون وساحمل روحي على راحتي، امتزجت هذه القصائد بحب الوطن وروح المقاومة وسكنت في وجدان الجماهير العربية وتحولت الى اناشيد تغنى على ألسنتهم.
في مجموعة من الرسائل تبادلها سميح القاسم مع محمود درويش في ثمانينيات القرن الماضي كونا فيها جناحا طائر، حلقا في سماء الشعر والنثر ووُصفا بشطري البرتقالة دونت في كتاب "الرسائل" والتي تعد من عيون النثر العربي.
تنقل القاسم في دراسته بين الرامة والناصرة وعشق اللغة العربية وتغنى بمفرداتها شعرا وادبا ونثرا. انضم الى صفوف الحزب الشيوعي والجبهة الديموقراطية
للسلام والمساواة فعمل في تحرير الاتحاد والجديد. والتقى مع نخبة من الشعراء والكتاب المحليين امثال توفيق زياد شكيب جهشان محمود درويش سالم جبران محمد علي طه اميل توما اميل حبيبي واخرين ممن ملئوا الساحة الادبية على امتداد اكثر من خمسة عقود.
عمل في سلك التعليم في دالية الكرمل وفصل من العمل وقد اعتقل عدة مرات وفرضت عليه الاقامة الجبرية من السلطات الاسرائيلية لمواقفه الوطنية والثورية. وقد عارض التجنيد الاجباري الذي فُرض على الطائفة الدرزية.
يعتبر سميح القاسم احد اعمدة الادب العربي ومن ابرز شعراء المقاومة وعرف اسمه كشاعر عروبي ومقاوم اصدر اكثر من ثمانين كتابا معظمها دواوين شعر ونثر واعمال مسرحية شهيرة وحصل على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف من عدة مؤسسات وحصل مرتين على "وسام القدس للثقافة" من الرئيس ياسر عرفات، وحصل على جائزة نجيب محفوظ من مصر وجائزة الشعر الفلسطينية، وكرّمه الرئيس الفلسطيني ابو مازن هذه السنة وخلال مرضه وقد ترجمت قصائده لاكثرمن ثلاث عشرة لغة.
حلق سميح القاسم في اجواء الشعر والادب والنثر عاليا عاليا في فلسطين والعالم العربي والعالم الثالث، في افريقيا واسيا واورموبا متضامنا مع كل الشعوب المضطهدة في العالم من اجل الحرية والاستقلال.
جلس على كرسي اللغة العربية بعزة وكرامة واباء نظم الاشعار فطاعت له القوافي وانسابت هادئة الى مسامع الناس فحرك المشاعر والهب الاحاسيس. اعتلى المنابر وكان سيدها القى الاشعار وكان رائدها تحلى بشخصية حلوة ومظهر انيق وقالب انساني فريد خلقا وادبا وذوقا وشعرا.
يا شاعر الوطن يا شاعر فلسطين يا شاعر العرب والامم الحرة يا شاعر الجيل الصاعد والاجيال القادمة يا من لبست عباءة اللغة العربية وشعرها وتمشيخت في دواوينها تبكيك العربية برحيلك المبكر وتوقف الكلمة والسطر الجديد. قاومت بحياتك وفي مرضك الاخير الذي الم بك منذ ثلاث سنوات وخاطبت الموت ولم تخافه وقلت "انا لا احبك يا موت.. لكنني لا اخافك وادرك ان سريرك جسمي وروحي لحافك".
لبثت مقاوما عنيفا كما عهدناك، ففي عز المعاناة من المرض اللئيم ولم تتوقف روح القراءة والكتابة فدونت سيرة حياتك في كتاب سميته "مجرد منفضة" مذكرات من حياتك، كما واصدرت ديوانا بعنوان "كولاج" تحوي قصائد جميلة ومميزة.
هكذا عرفناك شامخا عاليا كشموخ حيدر علوت في الحياة بما قدمت واعطيت وورثت من شعر وادب ونثر وعلوت في مماتك بوداع ساخن الدمع، وبقلوب حزينة بآلاف من جماهير شعبك المحب لك من الداخل الفلسطيني ومن السلطة الفلسطينية والعالم العربي ومعظم دول العالم وبمشاركة وجدانية صادقة بتقديم التعازي على امتداد شهر اب واكثر.
انت يا ابا محمد باق فينا ومعنا ما دامت حروف الضاد تتحرك في اللغة العربية، انت خالد في ذاكرتنا الادبية والشعرية والنثرية، انت باق وخالد في ذاكرة الشعب الفلسطيني وفي ذاكرة الشعوب العربية. انت خالد قي قلوب العالم الثالث والشعوب المضطهدة وهكذا عشت منتصب القامة والقوام ومتّ مرفوع الهامة والهمة ولتبق ذكراك حية فينا وباقية معنا وخالدة الى الابد.
(دير الاسد)
