مؤسف ما وصلنا اليه، فقد اصبحنا الشغل الشاغل لجاهات الصلح العشائرية على طول البلاد وعرضها. وصدق من قال لي بالامس "متعجبا كيف تستطيع الجاهة كل هذا - جازاهم الله كل خير ووهبهم الصحة والقدرة لخدمة هذا المجتمع التعبان". الحق يقال مجتمعنا بأسره مدين لهؤلاء الناس - الطوافين من بلدة لاخرى، حاملين هموم الناس، ورسالة الاصلاح بينهم، وطبعا على حساب صحتهم ووقتهم وجيبهم.
وعلى الجميع ان يعرفوا ان عمل الجاهة هذا لا يتم دائما بسهولة، او على بساط من الحرير ! فاحيانا ليس مضمونا لهم ان يتوفقوا في مسعاهم الاصلاحي، وقد حدث اكثر من مرة ان تهجم عليهم احد اطراف النزاع وهناك من شتمهم وصرخ في وجوههم وحتى كان هناك من طردهم، اما هم فقابلوه بالصبر والتفهم للضائقة التي يعيشها. ثم تابعوا مسيرة الاصلاح الى ان يتحقق فيها النجاح ويتم عقد راية الصلح بين المتنازعين.
تتعثر احيانا مساعي جاهات الصلح وتفشل وقد يعود المتنازعون للعنف من جديد والاسباب لذلك كثيرة الا انني اود التركيز في هذا المقام على اهم ظاهرتين:
1- التغير الذي حدث في المجتمع ثم المبنى السياسي الذي اعتمد على المركزية في الحكم.. مما اضعف حاجة الناس للجاهات!
2- قبول جاهات الصلح ادخال مرجعية الحكم الذي تصدره المحكمة المدنية بحق المتهم بجريمة القتل وخاصة اذا برأت ساحته!
وهذان الامران متعبان ومفصليان لان فيهما ما يتناقض مع المسببات التي اوجدت الصلح العشائري من اصله.. فالصلح العشائري نشأ في ظل الظروف التي عاشتها الامبراطورية الاسلامية... وضعفت فيها السلطة المركزية فاصبحت الحاجة ملحة لفض النزاعات التي اشتعلت في اطراف الامبراطورية بين الحمائل والعشائر. وبتأثير العوامل الجغرافية للسكن، حيث كل عشيرة تسكن مع بعضها في بقعة ارض واحدة فأصبحت العشيرة مسؤولة عن سلوكيات الفرد خيرها وشرها.
فالنزاع بين شخصين من عائلتين ادى الى حشر كل العائلتين بالنزاع وهذا هو الظرف الذي ادى الى تشكيل جاهة الصلح من اناس محايدين تمتعوا بالادراك الصحيح والثقة والامانة في نظر المجتمع وامامهم هدف واحد هو اجراء الصلح بين العشيرتين بالجملة وليس الافراد.
وما دام الامر يحدث في الامبراطورية الاسلامية، اعتمد حل المشاكل على الشرع الاسلامي حسب القرآن الكريم والسنة النبوية. وتقبّل الناس الحلول من الجاهة لان السلطة المركزية لا تستطيع اسعافهم. وحلول الجاهة تناولت دائما مصلحة الجماعة، الحمولة والعشيرة، والفرد جزء منها.
لا نستطيع انكار ما تمتع به المجتمع العربي السابق من اعتزازه بالكرامة الشخصية والصدق والتسامح والرباط العائلي وهذه امور سهلت عملية الاصلاح على الجاهة.
واذا قلنا ان مجتمعنا اليوم يميل الى المفاهيم المادية والمحسوسة ويهتم باموره الشخصية اكثر بكثير من اهتمامه بالامور الجماعية فهذا صحيح وهو الذي قد يجهض مجهود الجاهة في مسار الحل. ثم يضعفها مع الايام.
اما اعتماد مرجعية المحاكم المدنية في الصلح العشائري فهي الخطأ بعينه. لان الامر هنا مختلف تماما فالمحكمة تحاكم شخصا متهما بجريمة قتل. وتحتاج الى اثباتات وادلة لتجريمه. وفرسان الساحة هناك الادعاء والدفاع وفي جعبة كل منهما محصلة التحقيقات والادلة على الشخص المتهم، وعلى ضوء هذه الادلة ودحضها يتقرر مصير، ونقول المتهم وليس عشيرته فالجاهة اذًا ليست طرفا مع المتهم او ضده وعليها ان تتذكر دائما ان الصراع بين العشيرتين او الحمولتين هو الذي اوصل الامر اليها . فهنا فقط يكون مجال عملها! والآية الكريمة توضح ذلك جليا حيث تقول "وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما". صدق الله العظيم وكلمة اقتتلوا تفيد اكثر من اثنين والنص واضح.
وزيادة في التوضيح نقول ان النزاع بين العشيرتين او العائلتين عندما ينشب فقد يهز القرية بأسرها والرأي العام يعرف تماما ما حدث وهو اكبر الشهود. وجريمة القتل التي وقعت اثناء النزاع انما وقعت بين الطرفين ومنهما – وحتى ولو لم يعرف القاتل بالتحديد (وهذا ما يحدث غالبا في الطوشة العمومية)! فالمسؤول عن دم القتيل هو العائلة الاخرى. وتحسن صنعا هذه العائلة عندما تذعن للحق لان اذعانها يخفف من حدة التوتر ويسير بالامور الى التهدئة. تعاون العائلة المتهمة مع الجاهة مهم جدا لان لغة التفاهم ستوصل الى الحقيقة واذا ثبتت براءة العائلة من القتل، والاثبات يأتي من الرأي العام والشهود الذين تواجدوا في ساحة الصراع يوم النزاع المشهود وعندئذ لا اعتقد ان عائلة او ايا كان يجرؤ على تحميل جريمة قتل لانسان بريء ربما كانت الدوافع.. وفي الوقت نفسه لم اسمع في حياتي عن عائلة ما اخذت ديّة قتيل زورا وبهتانا.
ايها الاخوة العرب آن الاوان ان ننتبه لما يجري عندنا، وليتذكر الجميع ان الصراعات التي تنشب بيننا دفاعا عن الكرامة تفقدنا كرامتنا واعتبارنا بين المجتمعات.
صراع بين طرفين ادى الى جريمة قتل فمن الطبيعي ان يتحمل الجريمة الطرف الآخر وكما قال المثل "لا دخان بلا نار" وليصلح الله امرنا، آمين.
(دير الاسد)
