قبل اسبوعين توفيت امرأة عمّي (أم زوجتي)، الساعة السابعة صباحا ، حيث قضت 93 عاما في أعمال كان أغلبها أعمال خير وبر ونشاط ، عادت علينا جميعا باليمن والبركات . هذه الأم كانت غالية على قلب كل من عرفها حق المعرفة، وليست مجرد معرفة سطحية يتساوى فيها كل الناس . وكانت هذه الزوجة الصالحة مثالا في التضحية والفداء.... زوجها (أبو جبر) كان قد توفي صغيرا قبل 33 عاما ، فلم تقعد عن العمل بحجة ان أبناءها يُعزونها ويكرمونها ، بل شمرت عن سواعد الجد والاجتهاد وأخذت تغرس الارض بشجيرات الزيتون التي آتت أكلها طيبا مباركا ، وما زال ، لدرجة غمر كل من حولها بالنعم والخيرات .
وبالفعل كانت هذه المرأة فاضلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، حيث لم أعرف هذه المرأة الا عاملة "ناصبة" تبعث النشاط والحيوية لكل من حولها ، سواء أكانوا من الاقارب أم من الجيرة الاحباب .تعلمت منها الشيء الكثير، وفاقت كل من حولها باجتهادها ونشاطها لدرجة جعلتني أذكر وأتذكر قول المتنبي :
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
ولعلي لا أبالغ اذا قلت ان همتها فاقت كل المتوقع حتى ان كل عارفيها توقعوا ان تجلس وتتذكر زوجها بروح لا تخلو من الكسل والرتابة او عدم الرغبة في العمل.
في الحقيقة ، انا استغرب وأتعجب في هذه الايام ، كيف استطاعت هذه الانسانة ان تغرس كل تلك أشجار الزيتون التي تشهد لها بحسن استغلال الوقت الذي لا يقدر عليه الا العاملون المجتهدون .
وأنا أستطيع أن أقول : إن من كان همّه ان يغرس مثل تلك الاشجار محظوظ في حياته ومماته ...
واستطيع أن أقول بكل وضوح ومسؤولية: نامي قريرة العين في آخرتك ، فلقد كنت خير معلم لنا في دنيانا وآخرتنا ...
لقد غرست الكروم ، وأزلت الهموم عن كل تعاملاتنا ، فرحمة الله عليك ، وأنزلك فسيح جناته ، إنه ولي الصالحين... وانت واحدة من اؤلئك الصالحين والصالحات...الذين كانت درجة وعيهم تبعث فيهم كل هذا الوعي والنشاط. فالى جنات الخلد آمين. آمين ، يا رب العالمين ...
(دير الاسد)
