"حيفا من هنا انطلقت" أو استحضار المدينة بكامل هيبتها

single

لست ناقد فن أو ناقد تراث، لكن لي شأن في هذا الوطن.. في ملامحه وفي روايته وفي تفتح الورد فيه وفي نزف الجرح فيه..
وجدتني قبل ايام معدودة برفقة عدد من الرفاق في كنيسة الكاثوليك، عند سكة القطار في حيفا التي ما زالت تبدو عربية، حيث احتضنت قاعتها معرضا للمهندسة المعمارية والفنانة سعاد نصر مخول، الذي اقامته تحت عنوان: "حيفا من هنا انطلقت".
وكانت سعاد والرفيق عصام مخول شريك حياتها في انتظارنا هناك.. تجولنا في ارجاء المعرض، فكأننا ولجنا نفق الزمن، وصولا إلى الزمن الجميل في حيفا الجميلة.
تسارعت صور حيفا واسواقها التي تعج بالناس.. تسارعت أسماء أحياء حيفا العربية العامرة، وبين الصورة واللوحة والخريطة والوثيقة، ازدحمت اسماء الصحف والمجلات التي رأت النور في حيفا وبرزت الدعوة لحضور الحفلة التي أحيتها السيدة أم كلثوم في حيفا في أيار من العام 1946.
المعروضات مع الشرح الذي قدمته سعاد، وشارك فيه عصام، استحضرت حيفا بكامل هيبتها وهويتها..
أما البحر فما زال هو البحر وان أصابه نقصان ما.. أما البر فلم يحظ ببر الأمان، وطالته يد التهجين والتزوير والانتحال، فتغيّرت مسميات المكان، وجرى تزوير التاريخ وانتحال الديمغرافيا، وحتى الطوبوغرافيا لم تسلم عندما جعلوا اليابسة تزحف إلى البحر فينقص ولا تزيد.
هل بلادنا فعلا "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض"؟
"حيفا من هنا انطلقت"، هو محطة في هوية فلسطين وهو جزء مشروع كبير، تعكف عليه سعاد نصر مخول تحت عنوان: "مشروع معرض المدن"، إذ ستتقفى أثر مدن فلسطين لتعيد استحضارها امام ناس ايامنا..
"مشروع معرض المدن"، يستحق الدعم والرعاية لأنه ليس مشروعا خاصا وشخصيا بل لأنه مشروع شعب يكابد الحضور والحياة بينما يحاولون القاءه خارج التاريخ، وهو مشروع ذاكرة.. تتعرض لهجوم الانكار من ناحية، والنسيان من ناحية أخرى.
ليس صدفة أن يجري افتتاح معرض "حيفا من هنا انطلقت"، من قاعة مسجد "الجرينة"، الذي جرى ترميمه وانقاذه من الاندثار، وليس صدفة ان يستمر المعرض في قاعة كنيسة الكاثوليك، التي جرى ترميمها وانقاذها من الانهيار.
كل ما حول الكنيسة والمسجد يحكي بالفلسطيني.. وكل ما حولها من مبان هدمت أو آيلة للسقوط، يحكي بعض الحكاية، اما المعرض الذي احتضنه المسجد واحتضنته الكنيسة فقد قرر أن يحكي الحكاية كلها.
لي شأن في هذا الوطن.. لي شأن بعزته وملامحه وجرحه..
رغم ثقتي بالشعب وبحتمية التاريخ وبفيزياء التاريخ والمجتمع الا انني أصاب أحيانا، بيني وبيني، بالرعب من أن يحقق بن غوريون نبوءته الصهيونية الاقصائية التي تسعى لإلقاء فلسطين بملامحها وناسها خارج التاريخ وخارج الذاكرة بعد أن ألقت الصهيونيةُ بغالبية أبناء شعبنا خارج الوطن في صقيع الشتات الملتهب شوقا وحقّا.
"الكبار سيموتون والصغار سينسون" هكذا قال يومها بن غوريون.
النسيان، هذه الأمنية الصهيونية هي العدو اللدود للعدالة التي ينشدها شعب فلسطين.
اسرائيل منذ قيامها دأبت على مصادرة الارض وانتحال مسميات المكان وعملت وتعمل على تهجين الانتماء والوعي عند شعبنا من برامج التجهيل وحتى الخدمة المدنية، لا بل فقد ذهب وزير المواصلات الاسرائيلي الحالي إلى ابعد من ذلك عندما طرح "فكرة" كتابة التسميات العبرية لملامح الوطن ومسمياته بأحرف عربية.. فبدلا من ان تكتب القدس على اللافتة تصبح "يروشلايم"، والناصرة تصبح "نتسرات"، وشفاعمرو تصبح "شفارعام"، ويافة الناصرة "يفيع".
اسرائيل بدأت بذلك على ارض الواقع قبل ما تفتقت به قريحة يسرائيل كاتس فتجد في الشارع مدينة باسم "حديرا" بدلا من الخضيرة، و"بئير شيفع" بدلا من بئر السبع، و"عكو" تجد إلى جانبها بين قوسين اسم عكا، من باب "التسامح الديمقراطي"!!.
لي شأن في هذا الوطن..
"حيفا من هنا انطلقت" معرض يعيد للمدينة بهاءها بأدوات العلم والتوثيق والابداع، يعيد للرواية صدقيّتها، ويضع بين ايدينا وايدي من سيأتي بعدنا محطات من ذاكرتنا الجماعية كي لا يقول أحد خانتني الذاكرة وكي لا تسوّلن لأحد نفسه بأن يخون الذاكرة.
تعودتُ أن تكون فلسطينيتي مجروحة دائما بالنكبة، لأننا أبناء فلسطين وأبناء النكبة أيضا.
 في المعرض زرت فلسطينيتي كما هي وكما كانت قبل جرحها البالغ والبليغ فأصبت بالدهشة من سلاسة الانتماء اليها وأصبت بغصة من سهولة الجريمة التي ارتكبت بحقها - بحقنا.
شكرا لسعاد نصر مخول على مشروعها وشكرا على باكورته: "حيفا من هنا انطلقت" وشكرا لعصام الذي يشارك في المشروع بروحه واكثر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حذار من الحلول الأمريكية

featured

نعم لسياسة العدل والاعتراف والمساوة

featured

دُفِن الطالب المتميّز ملفوفا بِعَلَمَيْن

featured

بقينا مع الهذيان، ومع الكذب

featured

وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلا باكيا يضحك

featured

تفجيرات الإسكندرية: الفتنة والمؤامرة