دُفِن الطالب المتميّز ملفوفا بِعَلَمَيْن

single

(ترجمة: أمين خير الدين)



خطط محمود شعلان، 16 سنة أن يعود، بعد الدراسة الثانويّة، لأحضان عائلته في الولايات المتحدة، وأن يتعلم الطّب، قبل أسبوعين مرّ عند الحاجز، وهو في طريقه لزيارة عمّته، يقولون في جيش الدفاع الإسرائيلي انه هددهم بالسكين فأُطْلِقت النار عليه. وقُتِل.
طلبت عائلته أن يدفن ملفوفا بعلم الولايات المتحدة - علم بلاده.
وفي قريته، أرادوا أن يلفّوه بعلم فلسطين – علم شعبه.
في النهاية دُفِن ملفوفا بِعَلَمَيْن، لفّوه بالعلم الأمريكي عند مراسيم الدفن العائليّة الضيّقة، ولفّوه بالعلم الفلسطيني خلال التشييع الجماعيّ للجنازة، وأُنْزِل ملفوفا بالعلمين إلى المدفن.
محمود شعلان، ربّما أشهر سكّينا على الجنود، وربما لا.
قُتِل  بخمس رصاصات، أربع منها  في نصف جسمه العلوي، وواحدة برجله،  حسب أقوال شاهد عيان، استمر الجنود بإطلاق النار عليه بعد أن وقع على الأرض، ، وحسب الشهود  تركوه ينزف على الشارع، ومنعوا سيارة الإسعاف الفلسطينيّة من نقله، وبقي جثمانه  ملقى عاريا على الشارع لمدة ساعتين ونصف الساعة.
عمره 16 سنة، وُلِد في الولايات المتحدة، مواطن أمريكي، مثل كلّ أبناء عائلته، أراد أن يتعلّم في قريته دير دبوان، المسماة "أمريكا  الصُغرى" لأن مُعْظم سكانها يعيشون في الولايات المتحدة، وتُعْتبر القرية منطقة أمريكية تقريبا.
في القرية 8000 نسمة و- 14000 مهاجر منها في أمريكا، مُعْظمهم يملكون عمارات فيها، يأتون في الصيف لزيارة عائلاتهم، أو بعد أن يتقاعدوا، شعلان هو الشهيد الأول من هذه القرية الثرية، الهادئة، شمال شرقي رام الله. 
يظهر  شعلان في الإعلان عن وفاته وهو يحمل شهادة امتياز من مدرسته – وليس مقلاعا، كالعادة في صور الشهداء، وُلِد في ميامي، ومن مشجّعي فرقة ميامي هيث لكرة السّلّة، نشأ في تامبا في فلوريدا، أراد العودة إليها بعد المرحلة الثانوية، أبوه محمد 50 سنة، وعمّه وأبناء عمومته في تامبا، أصحاب دكاكين ثابتة.
عادت أُمُّه فوزية، وثلاثة من إخوته وأخواته للسكن في دير دبوان، بعد أن أولع محمود بحبه لقريته وقرر البقاء والدراسة فيها. بينما بقي أبوه وأخوه الكبير سلمان في تامبا مع عمّهم واسمه سلمان أيضا.
كلّهم الآن هنا، في البيت الفاخر، التابع لأب العائلة والذي تحوّل إلى بيت عزاء ، مع مناظر خلاّبة لا مثيل لها في تامبا، كان الأب يأتي إلى هنا كل صيف، مع زوجته وأبنائه، لكنه، في الصيف الأخير لم يأت لأسباب صحيّة، سنة ونصف السنة لم يرَ محمود.
تلقّى الخبرَ العم سلمان الذي هاجر إلى أمريكا عام 1979، يتكلّم الانجليزية بلهجة أمريكيّة، يوم الجمعة. قبل أسبوعين، العاشرة والنصف صباحا، حسب توقيت تامبا ( الخامسة والنصف مساء حسب توقيت دير دبوان) اتّصلوا بسلمان من القرية: "افتح  الفيسبوك وشاهد الصور"  فتح سلمان  ورأى صورة فتًى مقتول، عارٍ على الشارع، "هكذا عرفنا عن مقتل محمود، من الصورة  التي ظهرت في الفيسبوك، لم يكلِّفوا أنفسهم بالاتصال بالعائلة  وإخبارها" 
يقول ، الآن، بألم وغضب، إنه  اتصل بالعائلة في القرية، فقالوا له إن محمود خرج لزيارة عمّته في البيرة، ولم يعد حتى الآن.
بعدها اتصل  بأخيه محمد وطلب منه أن يعود لبيته: كان على بُعْد ساعة سفر، لم يقل له إن محمود قد قُتِل، فقط جُرِح، هكذا بدأت رحلة عودتهم إلى البلاد: طار سلمان إلى مطار بن غوريون، أمّا أبناؤه وإخوة محمود الممنوعون من  الهبوط في إسرائيل، طاروا إلى عمّان، ومنها، عن طريق جسر اللنبي. تأخّر الأب الثاكل لأن جواز سفره الأمريكي لم يعُد ساري المفعول، أُجِّلَ تشييع الجنازة حتّى يوم الأربعاء الماضي، حتى يصل محمد، الآن هو هنا كأبٍ ومتألّم، لا ينوي الرجوع إلى تامبا قريبا.
ماذا  حدث يوم الجمعة بعد الظهر، عند حاجز دي ـ سي ـ أن، حاجز ذوي الامتيازات، في المدخل الشمالي لرام الله، قرب مستوطنة  بيت إيل؟ يبدو من الشهادات التي جمعها محقق "بتسيليم" إياد حداد وأبناء عائلة شعلان: أن محمود خرج بعد الظهر بسيارة أجرة إلى القرية المجاورة بيتين، لزيارة عمّته في البيرة المجاورة، ذهب سيرا على الأقدام من بيتين إلى الحاجز، مسافة مئات الأمتار، عادة يُمْنع المارّة من عبور الحاجز، وأحيانا يسمحُ الجنود بذلك، في الحالتين، لا توجد لافتات تبيّن المسموح أو الممنوع على الحاجز الذي يخنق رام الله من الشمال، لصالح مستوطنة بيت إيل.
سائق فلسطيني كان ينتظر عند الجانب  الثاني من الحاجز، من ناحية رام الله، طلب أن لا نذكر اسمه، قال للمحقق  حداد: إنه شاهد  محمود وهو يتقدم باتجاه الحاجز، من جهة بيتين، وأن ثلاثة جنود كانوا عند الحاجز، أحدهم أمر محمود وهو يهدده بالبندقية ـ أن ينصرف " ربما تبادلا الكلام ـ كانا قريبين جدا  من بعضهما. يقول الشاهد إنه لم يرَ سكّينا مع محمود، وعندما استدار محمود ليعود من حيث أتى، أُطْلِقت النار عليه، لم يسمع الشاهد أيّ تحذير أو إطلاق نار في الهواء. وحسب أقواله: رأى جنديا يُطْلِق النار عندما وقع محمود جريحا على الشارع، لم تُعْط نتائج  تشريح الجثّة للعائلة حتى الآن،  وأن خمس رصاصات أصابت الجثّة.
يقولون في ج.د.ا. إن محمود هدد الجنود  بسكّين، ويقول العم سلمان إنه لم يُسْمح لسائق سيارة الإسعاف الفلسطينيّة التي اسْتُدْعيت من الجلزون بنقل محمود، وحسب أقواله لقد عُرّيَ محمود من ثيابه وبقي عاريا، مُلْقًى على الشارع  لساعتين ونصف الساعة.
  توجّهنا هذا الأسبوع  للناطق بلسان ج.د.ا.  بالأسئلة التالية:
لماذا  استمر إطلاق النار على الجريح وهو مُلْقى على الأرض؟
 لماذا مُنِعت سيارة الإسعاف الفلسطينية من نقله؟
 لماذا أبقوا الجثة هذا الزمن الطويل على الشارع؟
 كان جواب الناطق بلسان ج.د.ا. : "في 26 شباط 2016 وصل محمود شعلان إلى حاجز  المحكمة في رام الله وطعن جندي ج.د.ا. أُطلقت القوّة النار على محمود، لكنه عاد وحاول مهاجمة الجنود في المكان، لذلك ْ أُطْلقت النار عليه مُجددا، تلقّى  علاجا فوريّا في نفس المكان من قبل ج.د.ا. ونجمة داود الحمراء، أُبْقيَت الجثة  في المكان من أجل التأكّد، ثمّ شُخِّصت من جهات فلسطينية، وكانت ملفوفة  كلّ الوقت، ومحميّة من قبل قوّات ج.د.ا. " وأُضيف أيضا "التحقيق  في ظروف الحادث جارٍ، وستُحال  النتائج  للنيابة العسكرية".  
لا يصدّق أبناء العائلة أن محمود ذهب إلى الحاجز ليطعن جنديا، لم يشارك سياسيا ـ يقولون كانت حياته هادئة، والاحتلال ليس من اهتماماته، أساسا، لقد فكّر في العودة إلى أمريكا ليعيش هناك، ويقول الأب لم يكن يعرف أن في دير دبوان خطرا، "لو كنتُ أعرفُ  أن هنا خطرا لما سمحتُ له بالبقاء" يستغرب العم سلمان " كيف  يمكن تبرير قتل فتى في الـ 16 من عمره وهو لا يشكّل خطرا على جنود مدججين بالسلاح ومدربين؟ حتى لو فرضنا أن محمود هاجمهم ـ لماذا لم يعتقلوه؟ لماذا لم يطلقوا النار في الهواء؟ في أسوأ الحالات يمكن أن يطلقوا عليه رصاصة واحدة فيجرحونه، خمس رصاصات؟! لماذا؟  هذه دولة تقوم على التفرقة، لا أهميّة لحياة غير الإسرائيليين، هذا قتل بدم بارد، ليس هناك ما يبرره في كل العالم، إنه زرع الخوف  قي قلوب السكان، ينكد حياتهم ليهاجروا.  
الحاجز  ذاته غير قانوني ـ لا يخدم أمن إسرائيل، حاجز بين القرى وبين رام الله، الهدف منه تعذيب الناس، ليلفوا حول رام الله، نعيش الظلم،  لا تبرير لقتل فتى في الـ 16 ، فتى أمريكيّ، يعيش حياته بهدوء، ليس الاحتلال من اهتماماته، فقط أراد أن يمارس حقّه في عبور الحاجز.
يجمع سلمان  شهادات عن مقتل ابن أخيه، ليقدّمها إلى القنصل الأمريكي في القدس العربية،  بعد أن خرجنا من غرفة الضيوف، بعيدا عن الأب الثاكل، أراني ابنه  صورة الجثة  المثقوبة بالرصاص، حتى لا يثير مشاعره.
لا علامات في غرفة المتوفى تدل على أنه كان مراهقا – ولا توجد صور على الجدران، فقط على الطاولة  قليل من الكتب الدراسيّة، تدلّ عمّا نتحدّث ، وصورة لمحمود، من عدّة سنوات، بجانبها رسالة أرسلها لأمّه في  عيد الأم: "أمّي. أنتِ الوردة الجميلة في بستان عمري" "عيد أمٍّ سعيد".

قد يهمّكم أيضا..
featured

اعترافات أولى بجرائم إسرائيل الأخيرة

featured

الوقت لا يحدده عقارب الساعة

featured

في ذكرى الاربعين لوفاة الوالده اّمنة عوض حامد (أم يوسف دخيل حامد)

featured

ليبيا... لا رأيَ لحاقن

featured

الحقيقة العارية-علياء المهدي

featured

شكيب أرسلان: "لا يبقى خوف على قومنا ولا خطر على بلادنا متى صرنا نفهم سياسة الاستعماريين"!

featured

البحر الهائج يا غزة . . هو الجبهة نبض العزة