الحقيقه أن الأيام تمر بسرعة والحياة ديناميكية وسريعة جدًا ولا تنتظر أحدًا ليرتب أوراقه،الحقيقة أننا لم نصدق ونستوعب يا والدتي انك فارقتنا بهذه السرعة، في الآونة الأخيرة مرضت الوالدة عدة مرات، وكانت ترقد بالمستشفى بضعة أيام وتعود للبيت المرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كانت تعود للبيت كان يمتلئ البيت فرحا وسعادة وحيوية وحركة، حيث كان يمتلئ البيت بالابناء والبنات والاحفاد والإخوة والأخوات والأقارب.
في المرة الأخيرة وعندما عاد المرض كان قاسيًا ولئيمًا،حيث لازمها الفراش قرابة الشهر، قضت نصفه بالمستشفى والنصف الآخر في بيت اخي شبيب، والجميع كان يتسابق على خدمتها،وبالأخص أختي نهلة التي كرست جل وقتها وجهدها لخدمتها، وذلك عرفانا وردا لجزء ولو صغير من جميلها لنا جميعا،لقد دخلت الوالدة في شبه غيبوبة ورغم ذلك كانت ورغم المرض تتابع ما يدور حولها وعبرت عن ذلك بحركات مختلفة بوجهها ويديها الا أنها لم تنبس ببنت شفة.لقد فهمنا أن عودة المرض هذه المرة وبهذه الحدة كان اشبه ما يكون بمثابة انذار برحيل لا لقاء بعده وجاء الفراق وكان قاسيا ومؤلما، وذلك لأن للأم مكانة خاصة ومميزة، الم يقل رسولنا الكريم عندما سئل عن اعز الناس قال:"امك ثم امك ثم امك ثم ابوك". نعم الام لا تعوض وهي أجمل شيء في الدنيا وهي التي تدعو دائما للجميع بالتوفيق والحنان والعطف والبركة. لقد كانت المرحومة أم يوسف مثالا يحتذى بالعطاء والشجاعة وحب الناس،لقد خدمت الجميع وخدمت عائلتها وبلدها وشعبها بلا حدود،دون ان تنتظر مقابلا لذلك،وكانت دائما تنكر ذاتها .لقد كانت والدتي شريكة ورفيقة درب أبي المرحوم خليل دخيل حامد(أب ويوسف).
كانت ذات ذاكرة قوية جدا، وكانت تحدثنا دائما عما تعرض له شعبنا في أيام حكم الانتداب البريطاني لفلسطين وظلم ومكر الانجليز، وكانت تحدثنا عن نضالات الحزب الشيوعي والرفاق وعن الحكم العسكري الذي فرض على العرب الفلسطينيين منذ أن أقيمت اسرائيل سنة 1948 وحتى 1966. وكيف لاحق الحكم العسكري واعتقل رفاق الحزب والوطنين الشرفاء وطاردهم وكيف تم اعتقال والدي والعشرات من رفاقه بالحزب الشيوعي عدة مرات بسبب مواقفهم الوطنية، وكانت تحدثنا عن معركة التحدي والصمود والبقاء والتشبث بالارض والوطن،كما كانت تحدثنا عن سنة 1958 عندما حاول الحكم العسكري فرض احتفالات ما يسمى "باحتفالات العاشورة"على الناصرة اي 10 سنوات على قيام اسرائيل، كيف تصدى الشيوعيون لهذه المؤامرة ووقفوا ببطولة ضدها متحدين بذلك الحكم العسكري واجهزته المختلفة وكيف مُلئت السجون بمئات الشيوعيين، ثم نفيهم لصفد وكان بينهم المرحوم والدي خليل دخيل حامد وكانت تحدثنا كيف كانت توزع جريدة الاتحاد ايام الثلاثاء والجمعة عندما كان والدي معتقلا وكانت تعمل دون كلل اوملل، وكانت تزرع الحاكورة: بالسبانخ، الخيار، البندورة، الخب والخس لمساعدة والدي بتربيتنا، ولمساعدة عائلات الرفاق.
وحتى أيامها الأخيرة وقبل أن يتغلب عليها المرض كانت تتابع الأخبار والبرامج التلفزيونية، التثقيفية المختلفة، وكانت تتألم عندما تسمع عن استشهاد الشباب والشابات الفلسطينيين،السوريين، العراقيين، الليبيين، اليمنيين، وكل ذي نفس بريئة، وكانت دائما تكرر لم ولن تذهب هذه الدماء هدرا، وما بيضيع حق وراءه مطالب. الحقيقة أن كل الكلمات تعجز عن وصف عطاء والدتي اللا محدود.حقا كانت أمي ذات سيرة ومسيرة مشرقة وسنفتقدها دائما.
لتبقَ ذكراك خالدة..
والى جنات الخلد يا والدتي الغالية.
(ابنتك زينب حامد خطيب)
(أم مرسي)
