شعب التناقضات (3-3)

single

*إهداء الى الرفيق أبو سبارتاك..صليبا خميس..الذي ارتبط اسمه كبلدوزر يوم الارض..سكرتير لجنة الدفاع عن الاراضي..إهداء للانسان الذي عملت معه عشية يوم الارض وحرثنا الوطن.. للحث على الاضراب، مثلثا وجليلا*

 

  • على طاولتهم كانت ممتدة خارطة ملونة كبيرة مدونة فيها كل التفاصيل ومقطعة حسب الدفيئات. أما أنا في مقعدي متقدة.. مرتبكة ليس معي أي شيء سوى قصاصات خرائط أرسلت بالفاكس! ليس معي أي شيء أظهره. فتصفحت ما معي بحجة البحث عن الوثائق والخارطة!
  • احتدت القاضية طالبة التأكيد أمام القضاة على التعهد بعدم المساس بالأرض، وان يمنح صاحب الدفيئة شخصيا حق تفكيك الدفيئة بيده! وأما باقي الدفيئات والمزروعات في المنطقة موضوع الدعوى فممنوع المسّ بها. 

 

أُعلن بدء المحكمة دخل ثلاثة قضاة فتنفست الصعداء حين لمحت بينهم المرأة، التي جلست الى الجانب الأيسر من الرئيس، وهي القاضية داليا دورنير، اعرفها جريئة، مميزة جدا مواجهة استثنائية لصالح حقوق الإنسان ودائما أقلية بينهم ولكنها مؤثرة.
أذكرها حين كانت في المحكمة المركزية بالقدس في الانتفاضة الأولى، ظهرت أمامها في عشرات الملفات لأطفال الحجارة والمولوتوف، كانت وحيدة في جرأتها بتبرئة الشباب، ورحيمة العقوبة عند الإدانة، نظرت إليها فحيّتني برأسها فردَدت التحية بأحر منها وبشكر عميق.
بادرت هي مباشرة.. بإدارة الجلسة وبعد أن سمعت مرافعتي وتأكيدي على ما جاء في التماسي، من ادعاءات وحيثيات لا تترك شكا، أن ما يقوم به الجيش أقرب للانتقام وبهمجية بواسطة أسلحة متطورة وضخمة من غير أي مقارنة أو تناسب مع وسائل المقاومة المتاحة بيد شعبي، أنهم يبحثون عن الأسهل لهم والافتك والمؤلم أكثر لشعبي وشرحت المعاناة التي تعجز الكلمات عن وصفها وتحشرج صوتي وأدمعت، فاستوقفتني مهدئة ووجهت نظرها الى ممثلي الدولة.
وقالت: قرأت وسمعت ما جاء بالالتماس وأود أن أسألكم ونقلت نظرها مني متوجهة الى مقاعد ممثلي الدولة:
" كل هذه الدونمات الأكثر من عشرين دونما مزروعة بالخضار على ارتفاع متر أو أكثر قليلا انتم مضطرون إلى تجريفها وقلعها وهدم الدفيئات؟!
فأجابها ممثل الدولة بالإيجاب!
وسألته قائلة: لماذا هناك حاجة لهذا!
فرد عليها قائلا:" لقد وجد الجيش أن سلك المتفجرة صادر من هذه الأراضي الممتدة على طول الطريق وتحجب عنا مجال الرؤية!
فقاطعته ثانية وسألته باستهجان قائلة: "عشرون دونما!؟
دعوني أفهم عما تتحدثون وماذا تقصدون ؟ أروني الخارطة!
على طاولتهم كانت ممتدة خارطة ملونة كبيرة مدونة فيها كل التفاصيل ومقطعة حسب الدفيئات. أما أنا في مقعدي متقدة.. مرتبكة ليس معي أي شيء سوى قصاصات خرائط أرسلت بالفاكس! ليس معي أي شيء أظهره. فتصفحت ما معي بحجه البحث عن الوثائق والخارطة!
حتى رأيت أن المدعى عليهم وممثلي الجيش من غزة يتوجهون بخرائطهم نحو منصة القضاة. فاتجهت إلى أمام المنصة لأرى ما لا اعرف، وما يورونه لها ولبقية القضاة.
واعترف ان خارطتهم أنقذت الموقف!
 لاحظت هي كيف يصفون ويبالغون فسلك/ خيط العبوة مرسوم بالقلم العريض! بحيث يصبح أعرض من دونم الدفيئة.. قبل أن اعلق مستهجنة ابتسمت القاضية مبينة لهم أنهم يبالغون متسائلة قائلة: هل افهم أن هذا الخط العريض هو الخيط/السلك ؟!
فرد ممثل الدوله: نعم!
رفعت عينيها إلي مشيرة بالإيجاب وكأنها تقول لي وافقي!
وقالت متسائلة وتعرف الاجابة:
هل إذا فككت دفيئة واحدة متتالية تكفي لفتح مجال للرؤية، لو كان احدهم يريد أن يختبئ لكم ؟
أومأت لها بالموافقة دون أن أتكلم وبنظرة رضا، فكل همي أن لا تجرف الأرض ولو شتلة، وان أقف أمام همجيتّهم أهز عنجهيّتهم واستشراسهم بإيلامنا.
اعترضوا بسرعة، ورفضوا معا اقتراحها الذي لم يتدخل فيه القاضيان الآخران، وبدا وكأنهما لا يعرفان عما يدور الحديث!
أوقفت القاضية داليا دورنر الادعاء في اعتراضه وشرح الحاجة الامنية الملحة وقالت له:
الأفضل لكم أن تخرجوا الآن من القاعة! اذهبوا.. اتصلوا بالمسئولين عنكم اخبروهم باقتراحي لإنهاء القضية بهذا الحل! لن تجرفوا مترا من العشرين دونما وهم يفككون الدفيئة الأقرب إلى الشارع! هذا ما نقترحه!
رفعت يدها مبتسمة نصف ابتسامة كعادتها محذرة: اعرفوا جيدا إذا لم تقبلوا اقتراحي سيصدر قرار بهذه الصيغة، قرار بعدم المس بالأرض.وعدم التجريف وتدحض مبرراتكم بما لا يعجبكم؟
أخرجوا للتشاور! المحكمة ستعقد بعد عشرين دقيقة!
تبدد خوفي وجف عرقي، وترقرقت دموعي واتسعت ابتسامتي الصامتة وأسرعت بالخروج فرحة معهم. هاتفت سريعا أهل الأرض لأقول لهم ان الريح تهب باتجاهنا، وان القرار الذي لم انم وأنا أتخيل كيف سيلغى صباحا وتجرف الأرض لن يحصل، وستعود الجرافات أدراجها كما تمنّيت!.
كان صوتي عاليا في الردهة الواسعة المرتفعة الجدران بالحجر الخليلي، تكاد تطال السماء..وصدى صوتي يجلجل في أروقة المحكمة والفرحة لا تسعني:....اطمئن على الأرض لن يجرفوها.. بلّغ الجميع!
هاتفت محمد بركة وهتفت بوجهه فرحة قائله:
لن تجرف الأرض! تعال.. تعال فأنا دحرتهم! تعال ابحث عمن يفرح معي جميعهم حولي غاضبون! وأنا وحدي..
استغربت ما يحدث فالنهج الهمجي مسيطر في تلك الأيام، على كل الممارسات في جميع المستويات فكانت سياسة الانتقام نهجا يوميا لم يرحموا لا حجرا ولا شجرا ولا بشرا!!
ممثلو الدولة والجيش كانوا ينظرون إلي بحقد بينما كنت فرحة، وكلما وبغير قصد اقتربت منهم بخطواتي بينما كنت أتحدث بهاتفي، كان يتحرك تجمعهم ويبتعد بشبه قفزة عني ويخفضون صوتهم كي لا اسمع ما يدور بينهم؟!

  • محكمة!

أُعلن ثانية عن بدء الجلسة.. وإذا بممثل الدولة يقف حزينا صامتا يستأذن للبدء بالحديث رافعا يده:
ستذهب قوات الجيش في تمام الخامسة عصرا لتفكك الدفيئة الأولى.
فاحتدت القاضية طالبة التأكيد أمام القضاة على التعهد بعدم المساس بالأرض، وان يمنح صاحب الدفيئة شخصيا حق تفكيك الدفيئة بيده! وأما باقي الدفيئات والمزروعات في المنطقة موضوع الدعوى فممنوع المسّ بها. 
واغلقت الدعوى بناء على هذا الاعلان والالتزام!
لم أصدق نفسي لسماع ما أعلن!
وأسرعت لأطالبهم بتفكيك دفيئة واحدة!
شكرني الأخ عبد الرحمن خليل بشير ووعدني خيرا...وما زلت انتظر!
أما شمرياهو، فقد عدت بعد أيام للمحكمة برفقة المهندس هاني الحسن من رام الله، واحمل قضية أخرى لسيدة اسمها نهى جبر ألتمس فيها عدم الهدم وابقاء البناء، فالسيدة نهى جبر مغتربة من البيرة عادت للوطن متوهمة متأملة..لتبني بيتا على ارضها في مدينة البيرة، فصدر ضدها من الادارة المدنية العسكرية الاسرائيلية أمر بهدم بيتها..! ولم يسعفها، أنها حصلت على ترخيص بالبناء من بلدية البيرة بادعاء أنها بنت في منطقة c!?
وأيضا نجحنا لاحقا...وقبل أن أنبس ببنت شفة، وبعد إلقاء التحية قال شمرياهو على مسمع المهندس الذي يشرف معماريا اليوم على بناء متحف الشهيد أبو عمار:
أنت صاحبة رسالة إنسانية عظيمة وأنا معك في معركتك! ولم يأبه في أن المهندس هاني حسن كان يسمعه!
وأضاف مؤكدا: اعلمي اني مستعد لقطف خيوط أشعة الشمس في الظلمة من أجلك!
قالها ايضا بالعربية!
أجل انه شعب التناقضات! هكذا سماها النائب الدكتور المهندس حنا سويد بعد ان قرأها مشكورا!

 


(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نتنياهو واضحٌ جدًا!

featured

"ألارض مقابل السلام" ألمبدأ الاساس للتسوية السياسية!

featured

مأساة أخرى تضاف إلى مآسينا

featured

ضغوط الحياة و طرق التغلب عليها

featured

الصامتون والثرثارون

featured

أيها العزيز أبو وسام! سيكون لنا بعَوْن الله عنوانٌ وكنيسةٌ ومدرسة، وتعود إقرث عامرة بأهلها...

featured

بين الشعب والشغب

featured

هل الغارة الجويّة العدوانيّة على سوريّة جاءت عقب استحقاقات إسرائيليّة داخليّة؟