لستُ ناقدًا للأدب، لا الشِّعر منه ولا النَّثر... لم أدرس أصول النقد، ولم أتعاطَ أنواعَ الأدب ِفي ما كتبتُ أو أكتب! جُلَّ ما يمكنني أن أقولَه في هذا الخصوص، إنني أتذوّق ما أقرأ، وأستطيع، كما أظنّ، أن أميّز بين الصادق والمبتذَل، وبين الغَثّ والسَّمين!.. لذلك لن أتطرّق في مقالتي هذه إلى بيان الجوانب الجمالية، أو الصور الشعرية وغيرها ممّا يتناوله نقاد الأدب، بل سأكتفي بإبراز القيم الحياتية والتربوية والإنسانية التي تضمّنتها "تغريبة أبناء إقرث"، لابن بلدي ونسيبي العزيز الأستاذ معين سبيت...
وقبل البدء في عرض هذه القيم، أرجو أن أنوّه أنّ موضوع هذه التغريبة كان موضوع حديثنا خلال سنواتٍ عديدة قبل أن يصوغَها أبو وسام شِعرًا... ولما قرأتُها، لم تفاجئني عواطفه وانفعالاته...كان صادقا في ما قال، وفي ما كتب أو نظم! والحقيقة أنه كتب ما كان يحس به منذ هُجِّرنا من قريتنا، وأضحَيْنا لاجئين أو مُلجَأين في وطننا!
***
الفصل الأول من الكتاب، أعطى القارئ صورةً عن حياة إقرث وأهلها قبل التهجير. وكل مطّلع يستطيع أن يتعرف إلى حياة القرية من قراءته لهذا الفصل. لذلك سأُحاول هنا الوقوف على القيم والفضائل الحياتية التي تضمَّنها هذا الفصل...
1. الحياة تحلو عندما يكون الناس أصدقاء، يتسامرون معا. وتزداد حلاوتها عندما يتّفق هؤلاء على محبة بلدهم، بستانهم، فيرَوْنَ فيها "لوحة فنية وتُحفةً رائعة على مدى الزمان". (ص.2/13)...
2. لقاء الشباب والصبايا في "مصَفّ الهوى"، كان لقاءً خاليا من المس بالآداب ومبادئ الآباء والأجداد. اللقاء كان للتعارف والتودّد، حتى إذا ارتضى الطرفان بحياة مشتركة، سارا بحسب الأصول المرعيّة في القرية، ليصلا إلى الفرح بالزواج الذي يشارك فيه كل سكان القرية. (ص.3/14)...
3. فضيلةُ وفاءِ الزوجة الأرملة لذكرى زوجها، وإصرارها ،احتراما، على تحقيق رغباته... يقول الأستاذ معين:
"أذكرها توصي
بصوت خافت حزين...
والدكم قد قطع الحجارة،
فابنوا لكم منها
ولو بيتَيْن، في كرم الرباعين". (ص.7/20)
** قدرتها، مِن فَيْضِ محبّتها ووفائها لزوجها الراحل، على غرس فضيلة محبة الوالد في نفوس صغارها الذين لم يعرفوه حيّا..
4. البرّ بالوالدين واحترامهما... هذه القيمة التربوية المقدسة، يخصِّص لها شاعرنا أربع صفحات ليطلعنا، ولو باختصار، على أهميتها:
"والـــدتي قد شمّرتْ عن ساعد الجدّ،
وساهمتْ في نشأة البنين... أذكرها تبكي... أذكرها تبتسم...
والـــدي خليل، إستشرق المستقبل المنظور، وعاشه...
كان عصاميّا وذا مبادئ... إختار له زوجةً تنير دربَهُ،
تصون حبَّه، تقدِّس العهدَ وتحفظ الوُدَّ...
والـــدتي... ما زلت كل لحظة أذكرها
وأستعيدُ قولَها: إنه كان حبيب الناس في البلد..."
(ص.7/20 +10/23)
5. جميع أهالي إقرث، وليس فقط أسرة الكاتب، كما يؤكّد أبو وسام، كانوا يحلمون أن يبنوا للأولاد والأحفاد. وجميعهم كانوا "يكدحون ومن نتاج الأرض يأكلون". أنشأوا البيوت وعلموا الأولاد واستصلحوا الأراضي، وفتحوا طرقات جديدة... لكنهم جميعا كانوا يغفلون ما تخفيه الأيام لهم!!
في هذه الأوقات، ساد في القرية التعاون والتضامن بين أبنائها... كان المقتدِر أو المقتدرون يهرعون لمد يد العون لمن يحتاجه، في السر!اء وفي الضرّاء، ولم يتركوا صاحب الشأن وحيدا...
6. القيمة الحياتية التالية التي ألمسها في الفصل الأول من تغريبة أبناء إقرث، هي القيمة الروحية، الإيمان بالله والتقليد الكنسي الشريف... لقد اعتاد المسيحيون الشرقيّون المتخاصمون وغير المتخاصمين، عِبرَ أجيال طويلة، أن يؤمّوا الكنائس في عيد الفصح، وبعد تقبيل الإنجيل المقدس في مطلع قداس العيد، يتقدّمون لمصافحة بعضهم البعض، إيذانا بالتصافي والمصالحة بقيامة المسيح. وكانت هذه المصالحة في إقرث وغيرها تحظى بالمباركة والفرح والدموع من قِبَل جميع المؤمنين المجتمعين في الكنيسة...
كذلك الإيمان بأن الخير من عند الله يأتي. فيتجه أهل البلدة للتضرع لله بحرارة ليرسل لهم ولأراضيهم ومواشيهم المطر، لأن من لدنه كل خير وبركة..
***
1. في الفصل الثاني تحت عنوان التشريد والمعاناة، لا ينسى شاعرنا أن يؤكّد بحرارةِ الإنسان الصادق الأمين، على قيمة استعداد الكاهن، وفي هذه المرّة، المرحوم أبونا اندراوس قرداحي، للذَّوْد عن أبنائه، حتى لو تطلّب منه ذلك أن يفتدِيَهم بحياته... (ص.4/62-63).
2. حتى في أحلك الظروف، وأثناء عملية التهجير أو بُعَيْدَها بقليل، ومن خلال تعرُّضِهِ للرامة وأهلها،(ص.6/65)، لا ينسى هذا الرجل الوفيّ أن يؤكّد لنا على كرم ضيافة واستقبال "أهلنا الجدد" في الرامة...
3. ونستفيد أيضا في هذا الفصل المؤلم الحزين، كيف ينبغي أن يفي الإنسان بما يَعِد، وكيف يجب عليه إنسانيّا وأدبيّا وقانونيّا أن يُنفِّذ ما قد التزم به خطيّا أو ما ألزمتْهُ المحكمة أن يفعل، حتى لو كان حاكما، أوسياسيّا أو عسكريا!! لقد بيّن لنا الكاتب بوضوح أنّ حكّام إسرائيل وقادتَها من السياسيين والعسكريين قد تنكّروا لوعودهم وتواقيعهم، وضربوا بقرار محكمة العدل العليا عرض الحائط! (ص.15/76+16/77)...
4. في هذا الفصل أيضا، يؤكّد لنا الشاعر أن لا شيء يضاهي البيت الذي ألِفَه الإنسان، ولا بلد تضاهي بلده، حتى لو كانت غربته سهلة نسبيّا، والمضيفون كرماء!ً...(ص.71).
5. أما القيمة التالية من خلال هذا الفصل، فهي أن "المظلوم لا يسكت عن حقّه المهضوم...وأن الحقَّ غالٍ ولدى الأحرار لا يهون"... (ص.24/)86.
6. لذلك، فهو، شاعرنا الصادق في مشاعره تجاه أهل بلدته، يخاطبهم بقوله: " يا إخوتي الأقارثة... يا من تعرّضتم لأعتى كارثة، ولم تلِن قناتكم... جباهكم، لم تنخفض ، ولم تنحنِ رؤوسكم، رغم الأيادي العابثة." ثمّ يؤكِّد لهم "أننا باقون على عهدنا، نبحث عن حقنا الضائع المهضوم". (ص.33/99).
***
الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان "فلا يضيع حقٌّ وراءهُ مُطالب"، يلخّص عملٍيّا ما يريد الشاعر أن يصل إليه: لا يأس مهما طال الزمان. إقرث ماثلةٌ أمام أهلها في مُختَلَف أحوالهم... جيل بعد جيل، سنظلُّ نطالب بحقّ العودة، حتى "ترجع الطيور وتغرّد العنادل في أرضنا- في الوطن الغالي"...(ص. 3/103).
***
ماذا بعد!
لقد رأيتَ يا أخي وعزيزي "أبو وسام"، أن تَبُثَّ مشاعرَكَ وأحاسيسَك في هذه التغريبة، وحسنا فعلْت! فقد وصلَتْ رسالتُك، بفضل صدقكَ وسهولة أسلوبكَ، كما أظنّ، إلى كل قارئ وكلّ جيل. وأعتقد يا أخي أنك عبّرتَ بما كتبت، عن مشاعر كل أهل البلد- بلدنا... فهنيئا لكَ، وشكرا لكَ، وسلّم الله يُمناك.
***
في عدد عيد الميلاد المجيد، العام 1992، ذكرى هدْمِ بلدتنا، إقرث، كتَبْتُ في باب "أولى الكلمات" بمجلة "الكلمة"، ما يلي:
" ... إنّ هذه القضية منذ نشوئها عام 1948، بتهجير سكان إقرث وبرعم، لفترة زمنية محدودة، بحجّة تثبيت الأمن في المنطقة، كانت عملية خداع وسرقة في وضح النهار، لا تمتّ إلى الإنسانية بصلة..ومع مرور الزمن واستهتار الحكومات المتعاقبة بقرار محكمة العدل العليا، فقد أضحت هذه القضية وما زالت، وصمة عار كبيرة في جبين العدالة الإسرائيلية... قضية إقرث وبرعم، ستظل الضمير الذي ينبغي أن يؤنِّب ويُقلِق حكام إسرائيل في تعاملهم مع المواطنين العرب داخل البلاد، وستظلّ أيضا المِحَكَّ الحقيقيّ والأساس لمدى صدق نوايا هؤلاء الحكام، وصدق رغبتهم في العيش بسلام حقيقيّ مع جيرانهم الفلسطينيين والعرب.
فهل يصحو ضمير هؤلاء الحكام؟ وهل يعملون بإخلاص وجِدّيّة لإزالة وصمة العار عن جبين عدالتهم؟!..." ( الكلمة ... عدد ت2 وَ ك1 ، 1992 )
كان هذا في ذكرى تدمير القرية يوم عيد الميلاد بتاريخ 25.12.1951!!
واليوم هو الثامن من شهر تشرين الثاني، ذكرى تهجيرنا من إقرث العام 1948!... لم يتغيّر شيء من صلف حكام إسرائيل! بل ازدادوا عُنوةً وتنَكُّرا للحقّ والعدل!... لكن:" يا ويلهم من غضب الله"
" ومن ثبات شعب قرَّر الحياة"، كما قلتَ...
بإصرارنا على حقوقنا المنهوبة، وتمسّكنا بحق العودة مهما طال الزمن، ستعود إقرث، أيها العزيز أبو وسام، عامرة بأهلها، وسيكون لنا بعون الله، عنوان وكنيسة ومدرسة...
(المكر)
