أدت سياسة نظام تونس الجديد المؤلف من المتأسلمين السياسيين، أو مسيّسي الدين الاسلامي، الى انطلاق أكبر احتجاج للاعلاميين والصحفيين في تاريخ هذه الدولة التي تشكل مهد الاحتجاجات العربية الثورية.
فقد بدأت وسائل الاعلام أمس اضرابا عاما لاول مرة في تاريخ تونس احتجاجًا على سعي حكومة "النهضة" للسيطرة على وسائل الاعلام وتقييد حرية التعبير، وذلك عبر تعيين موالين لها على رأس مؤسسات اعلامية دون اجراء انتخابات داخل وسائل الاعلام، كما أكدت نقابة الصحافيين التي تضم اكثر من 1200 صحفية وصحفي.
وبالاضافة الى التظاهر واطلاق الصوت المطالب بصدّ قبضة السلطة عن الحريات الصحفية، امتنع مذيعو التلفزيون الحكومي والقنوات الخاصة عن الظهور في نشرات الاخبار، وبثّت الاذاعات برامج عن الاضراب?? ??وأغاني عن الحرية.
وتصطدم في هذا الصراع الهام وجهتا نظر متعارضتان، فالمعارضة تتهم الحكومة بالسعي لتكميم الصحفيين وجعل وسائل الاعلام بوقا دعائيا لها استعدادا للانتخابات المقبلة، من خلال تعيين "المرضيّ عنهم" لديها بدون انتخابات حرّة، في حين تزعم الحكومة ان تعيين مسؤولين في وسائل اعلام ملك للدولة "هي من صلاحيات الحكومة دون سواها"!
إن هذا الصراع يكشف الى أي حدّ تشبه سلطة النظام الحالي سابقتَها قبل ثورة تونس المجيدة. حيث أن سلطة المخلوع زين العابدين بن علي كانت تقمع حرية التعبير وتحتكر "الحقيقة الصحفية"، وهي كما يبدو الطريق التي يختار مسيّسو الدين في السلطة الجديدة المضيّ فيها..
إن تحرّك الصحفيين التونسين يؤكد أن للثورة أبناءً بررة مصرّين على حماية روحها ومكتسباتها ومستعدين لمواصلة المواجهة الاحتجاجية. وكما تؤكد نقابة الصحفيين: "الحكومة تحاول زرع مناخ من الخوف في نفوس الصحافيين.. لكن ارادتنا قوية ولن نسمح بالعودة الى ما قبل الثورة".
لكن هذا التحرّك يؤشر على ما هو أبعد وأشمل، نقصد ضرورة استكمال الحراك الثوري بأشكال جديدة، في مواجهة قوى رجعية قطفت ثمار ما لم تغرسه ولم تعمل لأجله، بل اقتنصت لحظة تاريخية أسقطت فيه القوى التقدمية والوطنية والشعبية سلطانًا جائرًا. المبشّر بالخير هو أن هذه القوى تصرّ على مواجهة أيّ سلطان جائر جديد، ونزْع القناع الديني الذي يحاول به إخفاء ملامحه الشبيهة بسابقه.. فكل التحية لمن يرفضون إسقاط شعلة الحرية والعدالة الاجتماعية ،ويصرون على إبقائها مرفوعة عاليًا!