ليس دفاعًا عن أحد

single

ليس دفاعًا عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أو عن اضطرار القيادة الفلسطينية للدخول في دهليز تفاوضي جديد مبهم المداخل وخطير المخارج، ولكن الحملة التي تُشنّ  في هذه الأيام، والتي أصبح فيها الاتهام المباشر بالعمالة المباشرة رياضة قومية فلسطينية غير مسبوقة فلسطينيًا، هي خدمة صافية للمحتل. فإذا كان نجاح نتنياهو الأول هو التحلّل من مرجعية ملزمة للمفاوضات، فإنّ نجاحه الثاني يتجسّد في هذه الحالة التخوينية المزمنة.
وتعكس هذه الحالة مشكلة أعمق وأشمل، هي انحطاط الوعي بمعنى السياسة ودورها، وبمعنى الوطنية. هناك ممارسات تعكس فهمًا برجوزايًا لـ"الوطنية"، يتم اختزالها في "التذمّر الوطني"، وهو بطبيعته موجّه إلى العنوان الأسهل، لأنه أصلاً ينطلق من ساحة ضيقة هي الساحة الداخلية، أو، في أقصى الحالات، من التصوّر الخارجي، المتخيّل أو المخمَّن، للساحة الداخلية.
ويختلف هذا الفهم جذريًا عن المفهوم الثوري للسياسة وللوطنية في أنّ الأخير، في سعيه لقلب الواقع رأسًا على عقب، كما يقول الشاعر، لا يمكنه إلا أن ينطلق من الواقع، ويملك من الحكمة والمثابرة ما يمكّنه من تحويل الغضب والمشاعر إلى إرادات وإلى طاقات سياسية تتفجّر في وجه العناوين الحقيقية؛ تل أبيب وواشنطن، وبدرجة أقل القاهرة ودمشق والرياض وعمان والدوحة وسرت، وليس رام الله.

**

ليس دفاعًا عن النائب سعيد نفاع، والذي صار من المضني تتبّع أخباره والأخبار المضادة وبياناته والبيانات المضادة ومقالاته والمقالات المضادة حول خلافه مع حزب التجمع، فمن المزعج جدًا أن تصبح المسألة الطائفية محورًا أساسيًا في هذا النقاش. كل الكلام الجميل والكبير عن "تحدي المعادلات الطائفية" تبخّر في بحر من المعادلات الحسابيّة حول عدد المصوّتين الدروز للتجمع، وبالمقابل عدد الأصوات التي جلبها المرشح الرابع أو الخامس، كلٌ من طائفته. 
 هذا يؤكد، مرة أخرى، وللجميع، أنّ النجاح الانتخابي، على أهميته، لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد أو الأساسي لنجاح فكرة أو مشروع سياسي. ويؤكد أيضًا الفشل الذريع للوصفات القومية السريعة على النمط الأمريكي. فالإعلام مهم، والصورة (Image) مهمة وكل هذه الأمور مهمة، ولكن إذا خلت العجنة من الخميرة الفكرية المجبولة بالممارسة، تصبح "الكربونات" مجرّد انتفاخ زائف، لا يسمن ولا يغني عن جوع.

**

ليس دفاعًا عن رئيس مجلس كفر ياسيف المحلي عوني توما أو عن مديرة لواء الشمال في الوزارة أورنا سمحون، فإن قضية مدرسة المطران تيموثيوس الأهلية، وقبلها قضية فصل الطالبات والطلاب في كفر مندا، تستحقان وقفة خاصة، لأنّ كلاهما يُصوّر كحق تربوي ومطلب جماهيري.
 مبدئيًا، فإنّ وجود جهاز تعليم متجانس هو الآلية الأفضل لوجود مجتمع متجانس، وهذا بالطبع لا يلغي الحق في الاختلاف والتنوّع والتعدّد، لكن دون الانجرار إلى منطق ما بعد الحداثة الذي يسوِّق الحلول الفردانية المجتزأة بمفردات التعددية والخصوصية. فأيّ معنى لـ"الحق في الاختيار" حين تكون الخيارات أصلا بين سيء وأقل سوءًا؟ حين يصبح في كفر ياسيف وكفر مندا وغيرها مدرسة فنية وأخرى تكنولوجية وثالثة ديمقراطية ورابعة ثنائية اللغة، وخامسة ذات صبغة دينية أو طائفية، تصبح هناك إمكانية للاختيار وللحديث عن الحق في الاختيار.

**

ليس دفاعًا عن النائب حنين زعبي، فإنّ ما تعرّضت له في اجتماع لجنة المتابعة الأخير، لمجرّد أنها أرادت تناول شربة ماء، يذكّر، بعض الشيء، بالانقضاض الفاشي البشع عليها في الكنيست إثر مشاركتها في أسطول الحرية. ومع كل الفوارق بين هذا وذاك، المشترك في الحالتين هو الاستقواء عليها كونها امرأة. وإذا كان أعضاء الكنيست العرب قد دافعوا عنها في الكنيست آنذاك، فقد صمت معظمهم في المتابعة، لا بل شارك أحدهم، الشيخ  كمال خطيب، في هجمته غير المبرّرة.
حين يكون جزء كبير من المجتمعين صائمًا، فمن المستحبّ، ومن باب الذوق، عدم الشرب أو التدخين أو الأكل أمامهم (مع أنّ هذا، وفي كل العقائد، يكسبهم ثوابًا أعظم). ولكن إذا حصل هذا، فليس من حق أحد أن ينهال على أحد ويطالبه بـ"احترام نفسه/ا" بهذه الطريقة، ومن حق زعبي أن تشرب وأن تردّ (وهو ما لم تفعله للأسف). والمؤسف أكثر هو أن يتواطأ مع مثل هذه الممارسة، الإكراهية والذكورية، قياديون يفترض أنهم "ليبراليون".
وكل عام وأنتم بخير..

قد يهمّكم أيضا..
featured

استثمار "هبَّة الأقصى" باستمرارية شعبية: لخلق أفق سياسيّ جديد لنضال الشعب الفلسطيني

featured

سياسة الاستهداف الإسرائيلية

featured

على مثلك تبكي الرجال

featured

تقصير أوروبا بمحاربة داعش

featured

نعي الثقافة والسياسة في العالم العربي: ويكيليكس آل سعود (2-2)

featured

الماركسية بين التفسير وحلم التغيير

featured

التخبّط الأميركي

featured

انتهاك خطير للحريّات