نعي الثقافة والسياسة في العالم العربي: ويكيليكس آل سعود (2-2)

single

لا يقرّر القرّاء عبر شراء الصحف نسب التوزيع في الأسواق في العالم العربي بل تقرّر ذلك السفارات السعوديّة في العواصم العربيّة (حاول السفير السعودي السابق في لبنان، عبد العزيز الخوجة، التأثير على «الأخبار» في بداية انطلاقتها عبر عروض سخيّة من الاشتراكات مقابل منع الكتابات المعادية لآل سعود). وما الصمت الإعلامي العربي الشامل عن فضيحة ويكليكيس إلا مثالاً عن السيطرة شبه التامّة لآل سعود على أصحاب الرأي (ليس صدفة أن الجوائز الصحافيّة والأدبيّة والفنيّة باتت تتقرّر في عواصم النفط والغاز ووفقاً لأذواق متعدّدي الزوجات، ومُسلّعي ومُشيّئي المرأة العربيّة). آل سعود كما يظهر في التسريبات لا يريدون من الإعلام إلا غرض الدعاية السياسيّة الصفيقة، وهم على دراية ان لا دالّة على الصحافيّين والكتّاب من دون المال، وان علاقة الكاتب بالنظام السعودي هي علاقة إيجار وليس شراء. واحدة من الوثائق تقول ذلك صراحة: «من ناحية أخرى أفاد السفير أنه نمي إلى علمه بأن توقّف الدعم المالي عن الصحافيّين والإعلاميّين ومحطات التلفزة اللبنانيّة يدفع مواقفهم إلى التذبذب، وأن المسؤولين في محطة («إم. تي. في») اللبنانيّة أخذوا في التذمّر من عدم تلقّيهم دعماً من المملكة». أي ان الولاء اللبناني - لا بل العربي - للنظام السعودي رخو للغاية ويحتاج إلى ضخ مستمرّ للمال. وهذا جانب في ضعف الموقف السعودي السياسي، أو في صلابته، على مرّ العقود، وحتى بعد خلو الساحة العربيّة من خصوم لهم.


*مساحة سياسيّة ميتة*


أما المساحة السياسيّة فهي ميتة هي الأخرى بحكم التدخّل السعودي الصفيق في كل شؤون الدول العربيّة من دون استثناء. بات الشعار الدبلوماسي السعودي عن «عدم التدخّل في شؤون الدول العربيّة» أو «المملكة على مسافة واحدة من الأطراف» في الدولة تلك إلا مضحكة. صحيح ان الشعب العربي كان مُدركاً لطبيعة السيطرة الماليّة السعوديّة لكن درجة السيطرة والتدخّل، والوسائل المُتبعة هي أسوأ بكثير مما ظُن. كيف لا والوثائق لا تتحدّث إلا عن عدوّ واحد (إيران والشيعة، واللغة الطائفيّة الصارخة سائدة في كل الوثائق) ولا يرد ذكر ولو عابر عن القضيّة الفلسطينيّة، ولا عن القدس التي قيل إن الملك فيصل كان يريد ان يصلّي فيها (كان يريد ان يصلّي فيها على طريقة أنور السادات، أي تحت حراب جنود الاحتلال الصهاينة).
يسيطر الحكم السعودي على الأنظمة السياسيّة العربيّة بحسب طبيعة النظام: في الأنظمة التسلطيّة، يموّل النظام السعودي الحاكم وجهاز الحكم مباشرةً (كما هي الحال في مصر أو الأردن أو المغرب). كما ان النظام يعمد أيضاً وبموافقة الحاكم في تلك الأنظمة على شراء - أو تأجير - طبقة رجال الدين والوعّاظ والمثقّفين والإعلاميّين في تلك الدول. أما في الدول ذات الطبيعة الانتخابيّة مثل لبنان أو تونس مثلاً: فإن النظام يضخّ مالاً كثيراً في دعم الجهات السياسيّة الموالية له (مثل 14 آذار في لبنان وحركة إياد علاّوي في العراق أو التيّار اليميني الحاكم في تونس أو عبد ربّه منصور في اليمن، الخ). يستطيع آل سعود بمالهم (ومال حلفائهم في الغرب ودول الخليج) تعطيل أي انتخابات حرّة لصالح وكلائهم وأدواتهم. والمنافسة قد تحتدم ليس بين مرشّحين بل بين المال السعودي والمال القطري أو المال الإماراتي (والمال الإماراتي فعّال في انتخابات فلسطين لصالح الشلّة الدحلانيّة وفي ليبيا في مواجهة الإخوان). لهذا، فإن الدعوات (الشعبيّة أحياناً أو النخبويّة غالباً) الملّحة إلى الديمقراطيّة والانتخابات في العالم العربي هي دعوات إما ساذجة أو خبيثة (كما في لبنان) تهدف إلى تحقيق نتائج الضخ المالي السعودي. وهكذا، يعطّل آل سعود الحياة السياسيّة في كل العالم العربي، في الأنظمة التي تشهد انتخابات وفي تلك التي لا تجرى فيها انتخابات.
كما أن النظام السعودي يعزّز أسوأ ما في الحياة السياسيّة في العالم العربي من موبقات: فهو يعزّز التنافس الشخصي والطائفي حتى في داخل المعسكر الواحد (أشرف ريفي مقابل نهاد المنشوق)، ويفتح خطوط تمويل متعدّدة لصالح معاركه الخاصّة في كل دولة عربيّة، وحتى من أجل تعزيز كفّة فلان على حساب آخر في داخل المعسكر. وفي الاختيار، كما يظهر في الوثائق، هو يفضّل الأسوأ دائماً. ليس هناك أسوأ من نوري المالكي، ربّما إلا أياد العلاوي، والأخير يحظى بدعم من آل سعود. وليس هناك أسوأ من المالكي ومن علاّوي، إلاّ مثال الألوّسي (الحليف المُعلن للعدوّ الإسرائيلي) وهو يحظى بدعم آل سعود أيضاً.
خامساً، كان ملفتاً تكرار الكثير من الكتّاب اللبنانيّين على وسائل التواصل الاجتماعي مقولة «ان الكل يقبض من السفارات» وأن «لكلٍّ سفارته». ماذا تقول هذه المقولة عن هؤلاء الكتّاب، وعن فهمهم لطبيعة المهنة؟
سادساً، هناك من يقول (أو تقول) إن النظام السعودي ليس وحده الذي يدفع المال وهذا صحيح. كانت الدول ذات النفوذ الإقليمي والعالمي تعمد إلى وسيلة المال لجذب الناس والحكّام إليها. والنظام الإيراني يستعمل نفوذه المالي لدعم حلفائه في المنطقة. لكن ليس هناك من قياس في حجم التأثير السعودي عبر نحو قرن من الزمن على الحياة السياسيّة العربيّة. طبعاً، يجب ان يطمح العالم العربي إلى زمن يتوقّف فيه التمويل الخارجي والتدخّل في مجرى الحياة السياسيّة، لكن الإيمان الأممي (الشيوعي وليس الإمبريالي) لا يعترف بحدود، كما كان القوميّون العرب لا يعترفون بحدود أيّام جمال عبد الناصر، وهذا حسن. هناك دعم وتمويل، مثلاً، للثورة الجزائريّة ولثوّار 1958 في لبنان والمقاومتين الفلسطينيّة واللبنانيّة ضد الاحتلال الإسرائيلي وهناك دعم وتمويل خارجي لأمثال بطرس حرب و«إم. تي. في» وسمير جعجع وخالد الضاهر. لا يستوي الدعمان. إن دعم المقاومات العربيّة ضد الاحتلال الإسرائيلي واجب وهو محمود، لكنه يأتي بشروط. كان النظام السعودي يدعم ويموّل حركة «فتح» من أجل إجهاض ثورتها. لا تستوي كل وجهات الدعم والتمويل: مع أو ضد الاحتلال، مثلاً؟ لكن يستوي التمويل والدعم الخارجي في الانتخابات النيابيّة في لبنان: يجب ان يكون التمويل الإيراني منبوذاً (حتى لو كان حجمه أصغر بالمقارنة مع ضخّ تمويل أنظمة الخليج والغرب) كما التمويل الخليجي. أما تمويل الأبواق والأقلام فهو يستوي أيضاً بين كل الأطراف: لكن المرتّب الذي يتقاضاه المرء من هذا المصدر أو ذاك (سعوديّاً كان أم إيرانيّاً) لا يتساوى مع الذي يعرض نفسه ومواقفه للبيع (كما فعل سمير جعجع بحسب وثيقة) أو مع الذي يقفز بين تمويل وتمويل مضاد، طمعاً بمال أكثر، كما فعل وليد جنبلاط في تاريخه الطويل من العمل السياسي القبيح. (بمعنى آخر، ليس كل من يكتب في صحيفة خليجيّة التمويل أو إيرانيّة التمويل مُدان حكماً).


*منشأ الفتنة المذهبيّة*


سابعاً، هناك من الظرفاء الذين كتبوا - في الدفاع عن الوثائق السعوديّة - أنها لا تحتوي على أوامر تفجير أو إرهاب. هذا هو الهزل بعينه. وهل هناك أنظمة (إلا ما فيما يزوّره أطراف الصراع في سوريا) تكتب على أوراق رسميّة ممهورة بتواقيع وأختام رسميّة أوامر بالتفجير والاغتيال؟ والغاية من الملاحظة هي نفي إمكانيّة أو رغبة النظام السعودي في القيام بأعمال عنف وإرهاب في كل المنطقة العربيّة. وهذا الأسلوب يشبه أسلوب النازيّين الجديد الذين ينفون علم هتلر بالمحرقة بحجّة ان ليس هناك من بلاغ رسمي منه وبتوقيع منه يأمر بها.
ثامناً، لقد ثبتَ بما لا يقبل الشكّ في هذه الوثائق أن منشأ الفتنة المذهبيّة الجارية في العالم العربي هو في مملكة القهر السعوديّة. لم يعد هناك من حاجة للنقاش في هذا الأمر. يظهر في الوثائق ان الكراهية ضد الشيعة هي أصل السياسة الخارجيّة السعوديّة، وهي تتفوّق على معاداة النظام الإيراني. ما معنى ان يفاتح مصطفى بكري السفير السعودي في أمر تدشين محطّة تتكرّس في الضخ الطائفي ضد الشيعة؟ هل مَن يظنّ ان هناك وثيقة تثبت ان النظام الإيراني يموّل محطة تتخصّص في بثّ الكراهية ضد السنّة - هذا من دون نفي العقيدة الطائفيّة للنظام الإيراني؟
تاسعاً، توصّل بعض كتّاب وأبواق آل سعود، ووزارة الخارجيّة السعوديّة، إلى تلفيقة مُضحكة عن موقف المملكة من الوثائق المنشورة. عبّر عن ذلك الليبرالي السعودي (البن لادني سابقاً) جمال خاشقجي على «تويتر» الذي قال إن الوثائق مُحرجة، لكنها لا تخرج عن خط السياسة العامّة للنظام السعودي. لكن، يا جمال: إذا كانت لا تخرج عن الخط السياسي العام فلماذا تكون مُحرجة؟ نحتاج إلى تفسير.



(انتهى)




(جريدة "الاخبار" اللبنانية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مواقف مختلفة والضحية فلسطينية

featured

سوريا يا حبيبتَنا

featured

احتفالاتٌ لم تكن!!

featured

الإضطرابات النَفْس-جَسَديّة

featured

محمد مرسي يدفع فواتير الكرسي

featured

إن كنت رجلا اصمت وأطلق نحو الهدف!

featured

شريعة المافيا والاجرام المنظم!

featured

نذير شرّ يلوح في الأفق!