الإضطرابات النَفْس-جَسَديّة

single

الأمراض النَفْس-جَسَديّة (السايكوسوماتية) هي تلك الإضطرابات الناجمة عن :علّة في واحد من أجهزة الجسم البشري أو عن خلل ما ،في واحدة من وظائف  أعضائه ،وذلك نتيجة تراكم الكبت والقلق والتوتّر المتواصل ،بسبب إضّطراب مُزْمِن بالمقدرة على التكيّيف والتأقلم وفي التوازن الذاتي النفسي-السلوكي والإنفعالي للإنسان.
ولا بدّ لنا هنا، من الرجوع الى أصول التسميّة باللغة اليونانية وهي تشمل تعبيرين:سايكو(Psycho) وتعني الروح /العقل/النفس وكلمة سوما (Soma) ومعناها الجسم/الجسد/البدن.
بالتالي فإنّ الإعتلالات النَفْسجَسَديّة ، ما هي إلّا أمراض جسديّة ناجمة عن مُسبّبات نفسية لاشعورية ، وتعالَج بأدوات كثيرة تدمجُ بين العقاقير المختلفة وأساليب العلاج النفس-إجتماعي المتعدّدة.
غالبية أجهزة الجسم البشري وأعضائه تكون عُرْضَة لهذه الإعتلالات ،نذكر من بينها:المنظومة العصبية بشقّيها،المركزية والمحيطية ،المنظومة العضلية،منظومة التنفس،الجهاز الهضمي،منظومة القلب والدورة الدموية،منظومة الغدد الصمّاء،الجلد.
لذلك،نرى أن الطب السايكوسوماتي يعتبر أمراضَ:ضغط الدم العالي،تصلّب الشرايين التاجية،الأزمة التنفسيّة،السكري،حب الشباب،الصدفيّة،القرحة،الصداعات بأنواعها،إفراط عمل الغدّة الدرقيّة ، النحافة والسمنة المفرطة، الروماتيزم ،القولون العصبي،آلام الظهر وإختلال المناعة ،كلّها، إعتلالات نفسجدية.
إجتهد الإنسان،منذ البدء، بالتجربة والمراقبة والمتابعة وبواسطة أوائل الأطباء والحكماء والمداوين،من أجل سَبْرِ غور الأمراض المختلفة ومعرفة أسبابها ،آلية تنشئتها وسبل العلاج والتشافي منها.
وعبر الحضارات المختلفة إزدادت القناعة بعدم صحّة الفصل بين الجسم والنفس وبضرورة وأولوية التعامل مع كليهما على أساس كونهما وحدة واحدة كاملة متكاملة وشاملة وعلى أساس وجود تفاعل دائم، بائن او مستتر بينهما،الأول يتأثر بالثاني تماما مثلما تتأثّر النفس بالجسم.
ومثلما ساهم الأطباء العرب ،عبر التاريخ،بإغناء المعارف الطبية المختلفة ، فإنّنا نشهد كذلك دور الحضارة العربية الإسلامية بإثراء المعرفة  في مجال الطب السايكوسوماتي .
من الجدير ذكره أنّ احمد بن سهل البلخي ،الملقّب ب"الجاحظ الثاني" ،كتب  " مصالح الأبدان والأنفس "بالقرن التاسع الميلادي وهو كتاب شامل أسّس به موضوع الأمراض النَفْس-جَسَديّة ،تشخيصها والعلاقة بين الصحّة البدنيّة والنفسية وسبل علاجها.
ويعتبر علي بن العباس المجوسي،مسلم من أصول زرادشتية (القرن العاشر الميلادي) من أشهر الأطبّاء المسلمين وكان أثناء عمله بالمشفى النفسي الأوّل بالتاريخ ،البيمارستان ،في بغداد، قد ألّف كتابه " كامل الصناعة الطبية الضرورية " وهو الذي سُمِّيَ ايضا ،فيما بعد،ب"الكتاب الملكي" ،وقد أُعْتِبِرَ بسبب شموليّته أنه اكثر منهجيّة من كتاب " الحاوي" للرازي ومن كتاب " القانون في الطب" لابن سينا،إذ أنه كان المؤلًّفُ الطبيبَ الأوّلَ الذي تطرّق بإسهاب لهذا الجانب من الطب النَفْس-جَسَديّ .وقد تُرجِم كتابه هذا ،بالعصور الوسطى،الى اللّغة اللاتينية ،لتدريسه في الغرب.
تشير نتائج الأبحاث العلمية أن غالبية النشاطات النفسية ،الفكرية منها والإنفعالية والسلوكية ،النابعة من قشرة الدماغ (Cerebral Cortex)والمارّة بالمركز الإنفعالي بالجهاز الحوفِيّ (Limbic System) تتفاعل ،هذه النشاطات، من خلال الوسائط الدماغية مع الجهاز العصبي المستقلّ(Autonomic Nervous System) ومع النظام العصبي الوُدِّي (Sypmathetic) ومع المحور التَحْت مِهادي (Hypothalamic) -النخامي(Pituitary) - اللبّ الكظري (Adrenalmedullary) ،لتفرز الحوامض الأمينيّة الأحاديّة  مثل الأدرينالين  والنورأدرينالين والكثير الآخر من الهورمونات، مثل الكورتيزول ومشتقّاته وغيرها ،التي لها علاقة بتفعيل الأداء الجسماني لدرء الإلتهابات والأمراض عامّة. 
العمل على تشخيص الأمراض النَفْس-جَسَديّة يتمّ حسب المألوف لدى الأطباء بتشخيص الأمراض عامة من إستكشاف أعراض وعلامات المرض العضوي أوّلا، ومن ثمّ البحث عن صعوبات التكيّف والتأقلم ،بالفترة الأخيرة بحياة المريض ،والكشف بالتالي عن الإضطرابات الإنفعالية النفسية ومكامن الصراع اللاواعي المؤدي الى آليات الكبت والقلق والتوتّر وربّما كذلك الى الشعور بالذنب .
من الضروري أن يشمل العلاج ،في حالات العِلَل النَفْس-جَسَديّة، دمجا متناغما ومتجانسا وبمقادير متوازنة من الأدوية العضوية والأدوية النفسيّة  الى جانب الجلسات العلاجية النفس-تحليلية والتنويم المغناطيسي والتخيّل المُوَجّه وتمارين الإسترخاء والتغذيّة الراجعة الإحيائيّة (Biofeedback) والتأمل واليوجا .
وأخيرا ،لا بدّ من الإشارة هنا الى أنّ المثل الروماني القديم القائل بأن: " العقل السليم  في الجسم السليم " ما زال صحيحا، كما وأن العكسَ هو صحيحٌ أيضا،إذ أنّ : "  الجسم السليم في العقل السليم".


المراجع:


1- Kaplan & Sadock's
    Comprehensive Textbook of
    Psychiatry.
٢- ويكيپِدْيا- الموسوعة الإلكترونية.
٣- قاموس حِتّي الطّبّي الجديد(الطبعة       
    الثامنة).



– أخصائي الطب النفساني

قد يهمّكم أيضا..
featured

"عارنا في ليبيا "

featured

نتنياهو يزرع الأوهام، وسيحصدها!

featured

داود تركي

featured

هل لهؤلاء دين وأي دين يدينون؟ لا دين لهم

featured

العمود الفقريّ للحياة

featured

ليس دفاعًا عن القائمة المشتركة: لكن معها، نحن أقوى وأكثر وزنًا وتأثيرًا على مجريات الأحداث

featured

جَنَتْ على نفسها براقش

featured

الجحيم لمجموعات المصالح المعتدية على دماء الشعب