صورة عن رسالة شكيب أرسلان إلى جريدة "الصباح"
*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية*
في نفس العدد نشرت جريدة "الصباح" نص الاتفاق الذي تم توقيعه بين حكومة الانتداب البريطاني حديثة العهد في حينه في فلسطين، والتي تشكلت بعدما حصلت بريطانيا على صك الانتداب من عصبة الأمم المتحدة في ذلك العام، وبين مفوض لجنة الدفاع عن أراضي الغور ووكيل الأهالي والمزارعين الفلسطينيين المحامي اللبناني وديع البستاني، الذي كان مقيمًا في فلسطين وعمل فيها حتى عام 1930. ويرجع اهتمام كامل البديري بنشر هذه الوثيقة إلى اعتبار الاتفاق بأنه نصر وطني كبير تحقق لأبناء الشعب الفلسطيني في معركة الحفاظ على الأرض التي كانت على أشدها في تلك الفترة، بسبب إسراع الإقطاعيين الذين كانوا موكلين من قبل الحكومة التركية لجمع الضرائب من الفلاحين إلى استغلال حقيقة أن الأرض مسجلة لدى الدوائر العثمانية بأسماء الإقطاعيين فباعوها بأبخس الأثمان في الوقت الذي لم يكن من هو قادر في فلسطين عقب الحرب العالمية الأولى على شراء الأراضي منهم، فتلقفتها الحركة الصهيونية وظفرت بمساحات واسعة من أخصب أراضي فلسطين.
وكانت أراضي الغور في العهد العثماني مسجلة باسم السلطان عبدالحميد الثاني، وعندما عُزل عام 1908 على يد ضباط جيشه اعتبرت الحكومة التركية الأراضي المسجلة باسمه أنها أراض حكومية أو ما سمي بالأراضي الميري وفرض على أصحابها الأصليين من سكان منطقة الغور وملاكي الأراضي فيه من نابلس وبيسان وأريحا وغيرها دفع إيجار سنوي قيمته عشرة في المائة من المحصول الإجمالي وضرائب أخرى. وعندما هُزمت تركيا في الحرب العالمية الأولى انتقلت ملكية هذه الأراضي إلى السلطات البريطانية، فلاحظ الفلسطينيون أن حكومة الانتداب البريطاني بدأت تتصرف بالأراضي المسجلة باسم الحكومة، ومنحت جزءًا منها إلى المستوطنين اليهود تمشيًا مع مخطط إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين. فنجاح أصحاب الأراضي الأصليين من المزارعين وأبناء البلد في استرجاع ملكية الأرض في الغور بمساعدة إميل البستاني شكل نصرًا وطنيًا رأى كامل البديري أنه من الضروري الاحتفال به على صفحات جريدته.
بين الأوراق والوثائق التي تم الاطلاع عليها لمقتضيات هذا البحث رسالة بخط اليد من الشخصية الوطنية اللبنانية شكيب أرسلان إلى جريدة "الصباح" مُرْسَلة من برلين بتاريخ 25 كانون الأول/ديسمبر 1921، وفي رأس الصفحة الأولى من الرسالة وردت فقرة بخط يد محرري جريدة "الصباح" الذين أعدوا الرسالة للنشر في الجريدة فوضعوا لها العنوان التالي "ألاعيب السياسة معروفة"، ثم قدّموا للرسالة بما يلي:
"جاءنا من أديب كبير يعرفه العرب في كل قطر ونادٍ الكتاب الآتي ننشره لقراء "الصباح" قال حفظه الله:
"حضرة الإخوان الأفاضل الأماثل وفقهم الله،
أشكركم على إطلاعكم هذا "الصباح" المنير وبهذا البيان الرائق والرأي الصائب وأبثكم أرق عواطف شكري الخاص على إرساله إليّ ولقد أعجبت جدًا بمقالة ألاعيب السياسة وصداقة المسلمين وعلمت منها أن محررها ممن (أكنهوا) أسس السياسة الأوروبية، وتبطّنوا أعماق الرياء الأفرنجي، ووالله لا يبقى خوف على قومنا ولا خطر على بلادنا متى صرنا نفهم سياسة الاستعماريين هذا الفهم وما أوصلنا إلى ما نحن فيه من السقوط سوى جهلنا وكون كلمة تأخذنا وكلمة تأتي بنا كما يقال وأننا كنا نصدق كل ما يقال لنا. كنت مرة قبل الحرب في غزة فعلمت أن بعض سعاة الإنكليز أقنعوا أناسًا بأنه لو استولت إنكلترة على فلسطين لما كلّفت الأهالي دفع ضرائب أصلًا وقد صدّق بعضهم ذلك لأن إنكلترة دولة غنية فلا تحتاج إلى مال... وعندي من هذا القبيل أمثال لا تعد. فعسى أن هذه المصائب تكفي قومنا عظة وخبرة وتفيدهم يقظة ونهضة فأول شرط العلاج والشفاء حسن تشخيص الداء...
يتعب نفسه أخونا إبراهيم النجار بإثبات كون اتفاق أنقرة مع فرنسا مضرًا بمصلحة العرب ويجتهد أن يثير غضبهم لأجل اسكندرونة التي بزعمه صارت دويلة تركمانية كردية تركية ويرى أن العرب لم يغضبوا وأنه لا حياة لمن تنادي. أرجو أن تجاوبوا الأخ النجار لو كان العرب وحدهم بإزاء الترك لكان محل لهذا الكلام ولكُنَّا ننازع الترك على الشبر من الأرض ولكن العرب يعلمون أن كل ما يؤخذ باسم العرب في سورية فهو للفرنسيين وفي العراق فهو للإنكليز وأنهم يتصرفون بشيء من حقوق بلادهم حتى يهبّوا ويذبّوا. وما دام كل من المتقاسمين التركي والفرنساوي أجنبيًا فسيان عند العرب لا بل العرب تفضل التركي على الفرنساوي وعلى الإنكليزي لكون الروابط التي بين العرب والترك لا توجد بين العرب والإفرنج والحاصل.. إذا مت عطشانًا فلا نزل القطر...
تقاسموا بلادنا وأحرقوا أكبادنا وعاملونا معاملة عبيد أفريقية ونقضوا عهودهم معنا ولعبوا بنا ثم جاء بعضهم يقولون: أفلا تنظرون أخذوا منكم اسكندرونة وهي ثغر العراق ومرسى حلب. والجواب على فرض أن اسكندرونة عربية مع جوارها - وليس الأمر كذلك - فماذا لنا بالعراق وبحلب لنهتم بثغورهما؟ وعلى ماذا نبكي من أجل بلدان ذهبت منا فهي بيد أجنبي وإن بقيت لنا فهي بيد أجنبي.... استجلوا لنا ملكنا أولًا واخرجوا من عقر دارنا وبعد ذلك ترون أننا نحافظ على أقل حفنة من ترابنا. فكيف على المدن والثغور ولربما قيل أفلا تعجبكم دولة حلب ودولة العراق ودولة الشام ودولة لبنان الكبير ودولة العلويين ودولة الدروز إلخ فهذه دول كلها عربية... أجبنا نحمد الله على كون أيام الخداع والتضليل قد انقضت وصارت الأمة لا تقنع بالألفاظ دون الحقائق وقد طلع عليها الصباح اليقين منشقًا من ظلام مريب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته / المخلص، شكيب أرسلان".
رغم قبول الحركة الوطنية الفلسطينية فكرة سلخ فلسطين عن سورية الكبرى، واصلت جريدة "الصباح" اعتبار أن فلسطين هي جنوب سورية، ففي 29 نيسان/أبريل 1922 نشر فيها خبر تحت عنوان "صلاة الغائب على شهداء سورية" جاء فيه "أقيمت أمس بعد صلاة الجمعة في المساجد صلاة الغائب على شهداء سورية الذين أودت بحياتهم رشاشات الفرنسويين وحراب السنغاليين في أثناء المظاهرات السلمية التي أقاموها في دمشق وغيرها للإعراب عن رغبتهم في الحرية وتعلقهم بالاستقلال وأقيمت مثل هذه الصلاة أيضًا في مساجد نابلس وحيفا ويافا وسائر بلاد جنوبي سورية (فلسطين) رحم الله شهداءنا وقدر لنا نيل مثل مثوبتهم".
ففلسطين ظلت بالنسبة لجريدة "الصباح" هي سورية الجنوبية، بل إسم فلسطين في الخبر موضوع بين قوسين.
وتصدر الصفحة الأولى من نفس العدد مقال بقلم جمال الحسيني ناقش فيه مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين ودعا حكومة الانتداب البريطاني إلى وضع التسهيلات اللازمة من أجل عودتهم إلى أوطانهم.
وتضمن العدد أيضًا خبرًا بعنوان "الاحتجاج على لودج" جاء فيه:
"قرأنا في إحدى البرقيات أن السناتور لودج عضو مجلس الشيوخ الأميركي قدم لمجلس الشيوخ اقتراحًا يطلب فيه تأييد الوطن القومي اليهودي في فلسطين فكتبت الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا بمناسبة ذلك الاحتجاج التالي وأرسلته إلى رئيس جمهورية الولايات المتحدة ومجلس الشيوخ فيها وهو:
إننا نحتج بكل شدة على اقتراح السناتور لودج لأن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين يخالف مبادئ الحق والعدل الأولية. إن العرب يستصرخون الرأي العام الأميركي ويطلبون مساعدته في قضيتهم الحقة بإلغاء وعد بلفور.
هذا وقد علمنا أن جميع البرقيات التي أرسلت من فلسطين أرسلت إلى النهضة الفلسطينية في نيويورك أيضًا". بالإضافة إلى خبر آخر عن احتجاج الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا وُجه إلى القنصل الفرنسي في يافا احتجاجًا على امتناع رئيس الجمهورية الفرنسي ورئيس وزرائه عن استقبال وفد الجمعية واستقبالهما في المقابل لحايم وايزمن، رئيس الحركة الصهيونية العالمية".
**الاتجاه نحو الكفاح المسلح
من خلال المواد المنشورة في جريدة "الصباح" يبدو واضحًا أن كامل البديري كان مكلفًا من جانب الحركة الوطنية الفلسطينية بمهمة وطنية من الدرجة الأولى وهي الحفاظ على عروبة فلسطين ومنع وضع وعد بلفور موضع التنفيذ فيها. ويستطيع من يتابع ما كان يُكتب في جريدة "الصباح" وباقي الجرائد الفلسطينية بقلم كامل البديري أو غيره من الكُتاب أن يلمس عدم الارتياح من الوضع السائد في الفترة التي تلت احتلال بريطانيا لفلسطين ومن رغبة بريطانيا في إقامة وطن قومي لليهود فيها. ففي عدد 29 كانون الثاني/يناير 1922 من جريدة "الصباح" تصدّر الصفحة الأولى مقال لافت للنظر بعنوان "العصر عصر القوميات" بقلم جمال الحسيني يمكن اعتباره دعوة رائدة لنشوء القومية الفلسطينية، إذ أنه يلقي الضوء ليس فقط على طريقة تفكير هذا القائد الوطني الفلسطيني الذي أصبح لاحقًا اليد اليمنى للحاج أمين الحسيني ورئيسًا للحزب العربي الفلسطيني ورؤيته لمعنى القومية وتقييمه للحركة الصهيونية، بل معبرًا عن الفكر السائد داخل الحركة الوطنية الفلسطينية وتوجهاتها السياسية. وفيما يلي النص الكامل للمقال... (يتبع)
.jpg)
