مظاهرة حيفا ضد الاحتلال الاثنين الماضي
صادف في الخامس من حزيران الذكرى الـ (50) لنصف قرن (18250) يوما وليلة على الاحتلال، العدوان الاسرائيلي على الارض الفلسطينية والعربية عامة. وممكن رؤية هذا العدوان والاحتلال المستمر لغاية الآن من الزاوية التاريخية على انه ليس الاسوأ والابشع على الاطلاق، ولكن ممكن وضعه بالمقارنة على انه الاحتلال الاخير حتى الآن في عهد الاحتلالات الكولونيالية. فهو ليس الاطول قوة، ولا يوجد احتلال حضاري وانساني ودمقراطي. لكن الاحتلال الصهيوني الاسرائيلي لأراضي ووطن الشعب الفلسطيني على امتداد الخمسين عاما الماضية يعتبر اكثر من احتلال فهو فرض وتغيير وتغييب وتشريد وترحيل واضطهاد وقمع ومحاولة دوس الكرامة الانسانية ومحاولة قتل وابادة شعب في ان يتحرر من كابوس الظلم والاحتلال نحو الحرية والاستقلال.
وتحاول الصهيونية وحكام اسرائيل وعلى مدار 70 عاما من عمر الدولة التي قامت بجهود ودعم المستعمرين البريطانيين وتخاذل الحكام والامراء العرب، على انقاض شعب، عملت وما زالت تعمل بمختلف الطرق والاساليب الاستعمارية والتي سبقتها في اجزاء كثيرة من عالمنا على فرض ثقافة المستعمرين وفرض الواقع في التعايش مع الاحتلال والاستعمار وايهام العالم اجمع ان ما بين النهر والبحر لا يوجد شعب سوى الشعب اليهودي الذي عاد الى وطنه بعد 3000 عام، لقد بات العالم يعرف حقيقة الاخطبوط الصهيوني في التلاعب السياسي وحرف الامور عن مسارها الصحيح، باتجاه واقحام الدين لطرح حلول وهمية او غيبية لتفويت الفرصة واخراج الشعب الفلسطيني كليا من دائرة الحل وتبديد حقوقه المشروعة على ترابه الوطني.
انها خمسون عاما من الجحيم والمعاناة والاحتلال الاسود البغيض. خمسون عاما وشعبنا الفلسطيني يقدم الارواح والشهداء والدم والدموع في مسيرة التحرر وازاحة كابوس الاحتلال، انها نصف قرن من القتل والتعذيب والاعتقال والنفي والحصار والجوع والتشريد وبناء المستوطنات ومصادرة الارض، وقد امتلأت السجون وفاضت الزنازين بخيرة المناضلين والمقاومين ابناء الشعب الفلسطيني. وها هم ينتفضون غضبا ويفيضون حرية وكرامة من اجل التحرر والاستقلال. لا توجد وسيلة واحدة على مدار الـ (50) عاما، لم يستعملها الاحتلال وحكام اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني لثنيه وحرف كفاحه الا واستعملوها بأبشع صورها الاجرامية والارهابية.
جعلت اسرائيل على مدار الـ (50) عاما من نفسها دولة احتلال وعنصرية وابرتهايد بامتياز مع معاداة شديدة الى حد الابادة والقتل اليومي لأبناء الشعب الفلسطيني وسلطة ارهاب بمستوى القتل والعنف والحرب. ولجأت الى الاساليب الكولونيالية في محاولاتها الى تركيع الشعب الفلسطيني كما لو بقيت وحدها الكيان الخارج عن القانون الدولي ولا تمتثل لقرارات الامم المتحدة والمجتمع الدولي منذ حوالي 70 عاما على قيامها. وهي كذلك لأنها قامت على "شرعية" السلب والنهب الاستعمارية في تقسيم العالم والشرق الأوسط حسب مصالح الوحش الامبريالي. لكن انظمة الحكم والكولونياليات الاستعمارية وعهد الاحتلالات قد ولى الى غير رجعة، فعلى ماذا يراهن حكام اسرائيل في استمرارهم في التمسك بالاحتلال لأراضي الدولة الفلسطينية ومنها للحرية والاستقلال، وتقرير المصير للشعب الفلسطيني، ام يراهنون على التزييف في التاريخ وفرض الواقع على الارض، التي لا تمت بصلة للجذور التاريخية، ام يراهنون على جبروتهم وعظمتهم ومجدهم الذي بنوه على ضعف العرب وتعاون انظمة الذل والعار في مشيخات الخليج، ام في تخليد انتصاراتهم السابقة والمؤقتة وهم يعرفون - أي حكام اسرائيل انهم يعيشون في قلب عالم عربي يتحرك غير ثابت بموج كموج البحر ويهدر ويتقلب يمينا وشمالا ويثور هنا وهناك. فيما يقف الشعب الفلسطيني كالمارد يشعل فتيل اللهب كلما حاول المتجاوزون ان يتجاوزه في قضية الحل والربط بمصالح ومستقبل المنطقة.
لقد اكد اضراب سجناء الحرية والكرامة وفي ذكرى الخمسين للاحتلال حقيقة راسخة بعد نصف قرن على سلطة الاحتلال الاسرائيلي المنبوذ والمكروه انه مهما حاول المحتلون الصهاينة من عبور التاريخ ، فلا تاريخ لمستقبل المنطقة وشعبوها وتطورها الا عبر البوابة الفلسطينية، وانتصار قضية الاسرى في معركة الامعاء الخاوية ونيل حقوقهم كأسرى على طريق نيل الحرية الكاملة والتي هي جزء من كرامة وحرية ومستقبل وتحرر الشعب الفلسطيني من كابوس حبل الاحتلال. ان رزنامة الشعوب وكذلك رزنامة التاريخ تعملان وفق قانون واحد واشارة واحدة من ان الشعوب تُمهل ولا تهمل، اذ لا يوجد شعب في عالم الأمس واليوم سعى من اجل حريته وكرامته الا ونالها ودفع ثمنا باهظا مقابلها، لكن حقق ما يصبو اليه رغم انف كل المحتلين والمستعمرين من الامريكيين والفرنسيين والبريطانيين والنازيين والصهيونيين وكل انواع الظلم والاضطهاد التي مارسوها في الحقب السابقة والحالية. واشهر الشعوب التي قاومت المحتلين ولقنتهم دروس الشجاعة والمقاومة الوطنية ومعاني الحرية والاستقلال هم شعوب فيتنام والجزائر والشعوب السوفييتية سابقا وغيرهم على سبيل المثال. وها هو الشعب الفلسطيني يشق طريقه عبر اكثر من نصف قرن على الاحتلال والطغيان و 70 عاما متواصلة لنفض غبار النكبة ومداواة الجرح المفتوح الذي ما زال ينزف دما بغزارة. فالى متى ايها المحتلون الصهاينة ومن معكم من الامريكيين والاوروبيين والعرب الانذال؟
في الوقت الذي يسعى فيه الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية والحليفة والصديقة من زحزحة ميزان القوى في الشرق الاوسط لصالح الدول والشعوب وتطلعاتها في التحرر والاستقلال، يقف الشعب الفلسطيني بكل ثقله على اهمية إحداث منعطف في تضييق الخناق وتشديد النضال وتحالف كل القوى المناهضة للاحتلال الاسرائيلي وللقوى الرأسمالية والامبريالية العالمية الداعمة له. وعلى رأسها هزْم المشروع الامريكي الاسرائيلي العربي الرجعي في المنطقة العربية والشرق الاوسط. والمطلوب اليوم من قوى الخير والشعوب وقواها التحررية توجيه المزيد من الضربات الموجعة لهذا التحالف الثلاثي في مرحلة ما بعد زيارة ترامب للمنطقة، وتوقيعه اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع آل سعود،فالأمور في المنطقة والعالم تتجه نحو المزيد من التصعيد العام وبناء الكتل والاحلاف العسكرية من اجل تفجير وشن المزيد من الصراعات والحروب لصالح تحالف الاستعمار والصهيونية والرجعية في محاولات تقويض مصالح شعوب المنطقة في التحرر السياسي الاقتصادي وغيره.
إن توجيه ضربة مؤلمة للاحتلال الاسرائيلي ووضع حد لسيطرة الاحتلال بعد 50 عاما، يعني هزْمه كليا والفوز بالحرية والاستقلال هي من سمات المرحلة الحالية واحدى المهمات الاساسية في نضال الشعب الفلسطيني، وانه طالما الاحتلال الاسرائيلي باقٍ على صدر الشعب الفلسطيني فطالما المقاومة الشعبية والمسلحة وكافة اشكال المقاومة المشروعة تشتد وتتواصل ولا تنتهي الا بانتهاء الظلم والاحتلال، وتحقيق المطالب والامنيات الجماعية والشعبية ودحر قوي العدوان وعكاكيزها في المنطقة.
(كويكات - ابو سنان)
