الحكام العرب صبية تلاعبهم أمريكا

single

حاملة طائرات امريكية في مياه الخليج العربي (ارشيف)

 

حتى الآن فإن رياح التغيير العربي عجزت عن تبديد غيوم التبعية والترهل السياسي والمحسوبية التي كانت ولا تزال متلبدة في أجواء غالبية الأقطار العربية، فالتغيير الذي حدث بقي مقتصرا على قطاعات ودوائر ضيقة شملت بعض مراكز القوى الواقعة في قصور الرئاسة، لكن هذه القوى عادت وكيّفت نفسها لظروف المناخ السياسي الجديد كما تفعل بعض الزواحف عندما تفقد ذيلها أو بعض أطرافها فإنها تتحرك بما يلائم وضعها الجديد.
 بعض صور هذا التكيّف ظهور وجوه قديمة جديدة أطلّت من شرفات قصور الفساد ذاتها ولكن بأزياء مختلفة، هذه الوجوه لم تعمل على تحرير أوطانها وشعوبها من سياسة التبعية التي سارت عليها الأنظمة السابقة، العكس هو الصحيح فإن خضوع القيادات الجديدة إلى الهيمنة الأمريكية قد تضاعفت وأصبحت مكشوفة أكثر. في تونس مثلا التبعية للإرادة الأمريكية اتخذت منحى جديدًا فلم تعد تونس كما كان عليه الأمر في الماضي دولة موالية لبيت الطاعة الأمريكي، اليوم أصبحت تونس بعد أحداثها الأخيرة حليفة لأمريكا تستخدمها الأخيرة قاعدة لحبك مؤامراتها ودسائسها ضد كل القوى التي لا تزال تتصدى للمشروع الأمريكي الإمبريالي الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الجديد في تونس اليوم أنها لم تعد تقف في موقع الحياد ظاهريا على الأقل كما كان الأمر في عهد رئيسها المخلوع خاصةً في الصراعات العربية العربية، اعتبرها العرب دائما في الوسط لأنها لم تكن تتحيز مع أي كتلة عربية إقليمية. الدليل على ذلك أنه بعد ردة السادات تم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس وعندما اضطرت منظمة التحرير الفلسطينية على الانسحاب من بيروت سنة 1982 اختارت المنظمة تونس كي تكون مقرا لها، هناك حالات كثيرة تثبت بأن تونس كانت تقف دائما في الوسط، أما اليوم فإن النظام الجديد فيها  أصبح جزءا من التحالف التآمري على الحركات والقوى الوطنية العربية وضد المقاومة بشتى فصائلها ووجوهها وضد إيران. تونس اليوم جزء من القوى والعناصر والأطر والأنظمة التي تتآمر على سوريا وتدعم الإرهاب فيها تحت غطاء أمريكي سعودي قطري وتركي، إن كل نظام عربي يقع ضمن القطب المغناطيسي الأمريكي غير قادر ولا يفكر بإغلاق أي باب من أبواب التطبيع مع إسرائيل رغم الجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، هذا هو الحال في المغرب وفي مصر وفي قطر وكذلك الأمر في تونس، فعلاقة السلطة الجديدة في تونس مع إسرائيل لا تزال على حالها في مجالات التعاون الأمني والسياحة وخدمة المصالح المشتركة لأمريكا وإسرائيل.
أما ليبيا فقد تحولت الثورة فيها إلى نزيف دامٍ سياسي ووطني واقتصادي، لا يوجد في ليبيا اليوم منطقة أو مدينة آمنة أو مستقرة كما أنه لا يوجد للفئة الحاكمة فيها أية سياسة واضحة ذات اتجاه و مغزى وطني، فقد انتقلت السلطة من مزاجية القذافي ومساعديه إلى مزاجية قوى متصارعة ذات أطياف وانتماءات مختلفة، الشيء الوحيد الذي تتفق عليه جميع هذه القوى هو الطاعة والتبعية لأمريكا، هذا ما أنجزته وما قدمته الثورة الليبية للشعب الليبي وللعرب جميعا، كما أن ليبيا أصبحت مصدرا لتصدير الإرهابيين القتلة إلى سوريا والعراق لتدمير هذين البلدين كي تبقى السعودية ومعها دول الخليج الربان الذي يوجه بوصلة مسيرة الأمة العربية في هذه المرحلة التعيسة.
أما في مصر فحالة الفقر والضياع والتسيب والانفلات ونفاق المجلس العسكري وتخبطه في الحكم ودعمه للثورة المضادة، كل هذا  منع الثورة من الوصول إلى غاياتها. السؤال الذي يطرح نفسه أين هي الثورة من سياسة مصر الخارجية؟ مصر اليوم هي مصر مبارك الذي ربط مصير الشعب المصري بكامله ومصير العرب جميعا بعجلة النفوذ الأمريكي في المنطقة، هل قامت الثورة ضد مبارك الفاسد الضعيف المتردد المختلس التابع فقط؟ هل توقفت الثورة أمام عتبات مقر الرئاسة في القاهرة؟ أين الثورة من عروبة مصر وقوميتها والطبقات الكادحة فيها؟ أين الثورة من فلسطين والأقصى وحصار قطاع غزة واستمرار الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني؟ كيف يمكن اعتبار الثورة ثورة دون أن يكون لها مبادئ ذات أبعاد قومية واجتماعية ثابتة؟ كيف يمكن اعتبار الثورة ثورة وحكومة الجنزوري تحرك الأمور في مصر كما تريد أمريكا؟ الثورة لم تحرر مصرولم تخرجها من اطار الدول المعادية لحركات التحرر القومية والوطنية.أين الثورة وشبابها وقياداتها وكوادرها من هيمنة عربان النفط الأجلاف على جميع مقدِّرات هذه الأمة الاقتصادية والسياسية والوطنية؟ كيف يمكن اعتبار هذه الثورة ثورة وهي لا تجرؤ على التضامن مع جميع القوى الذين يطالبون بالإصلاح في السعودية والبحرين والأردن ؟ ألم يصل إلى مسامع قادة ما تسمى بالثورات في تونس وليبيا والقاهرة عن إضراب الأسرى الفلسطينيين القابعين في السجون الإسرائيلية؟ لقد استمر إضراب هؤلاء الأسرى أربعة أسابيع، وبعضهم اكثر من شهرين، لم نسمع خلالها عن خروج مظاهرة واحدة داخل العواصم العربية باستثناء عاصمة العروبة دمشق وتوأمها بيروت، إذا كان إضراب هؤلاء الأبطال الإنساني لا يحرك مشاعر واهتمام العرب بطريقة وبمستوى قيمة حدث النضال وأهميته فتبًّا لهؤلاء جميعا.
 إذا كان الإعلان عن اجراء أكبر مناورات عسكرية في تاريخ الأردن و شاركت فيها 17 دولة جميعها معادية لحركة التحرر العربية وفي مقدمتها أمريكا و السعودية وبريطانيا وغيرها لم يحرك رمشا واحدا في عيون هذه الأمة، إذا ما هي قيمة هذه الثورات، ومن الذي سيوقظ هذه الأمة من خمولها وسباتها وهزيمتها؟ من حق كل مواطن عربي أن يتساءل ضد من توجه قوة الردع في هذه المناورات؟ أليست هذه جزءا من المؤامرة العربية الدولية ضد سوريا وضد إيران ؟ لو كانت إيران لا تزال مزرعة للمصالح الصهيونية والأمريكية كما كانت زمن الشاه لما دخلت إيران مع دول محور الشر بالمفهوم الأمريكي، أهلا بإيران وشرها وأهلا بسوريا وشرها وصمودها إذا كان هذا الشر لأمريكا وأذنابها في كل مكان.
وأخيرا يذكرني حال الربيع العربي الآن أمام الأصابع الأمريكية المرقصة للدمى، بصورة " المعلمة " في الأفلام العربية  التي تتحكم بالصبية وتأمرهم بتنفيذ مطالبها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لتدقيق "العقيدة" الأمنية الفلسطينية

featured

سياسة تقتل في المستشفيات!

featured

المخابرات أيضًا تكذّب نتنياهو!

featured

في التّلوّن !!

featured

في ميلادك الثمانين ربيعًا

featured

أيام العودة الى الدامون