كما سبق أن أشرنا هنا، تتنصّل حكومة اليمين والاستيطان من مسؤوليتها عن الدم المسفوك، من خلال تصوير ما يجري بشكل منزوع من أي سياق أو أية علاقة سببية. وهي تحاول بشكل منهجي فصل العمليات المختلفة والمظاهرات والمواجهات وكل النضال الفلسطيني، عن المسبّب الأساس: سياسة وممارسات الاحتلال والاستيطان والقمع والظلم بحق الشعب الفلسطيني.
رئيس الحكومة الاستيطانية بنيامين نتنياهو ذهب أبعد من ذلك، فاتهم الفلسطينيين بالمسؤولية حتى عن الكارثة (الهولوكوست) وجريمة النازيين! وهو ما كشف للعالم أكثر فأكثر وجهه السياسي الكاذب والمحرّض والأصولي. فهو يحاول بديماغوغية واهية اغتيال حقيقة أن خروج الشباب الفلسطيني الغاضب بشتى الأشكال، وليس الآن فقط، نابع مما يلحق بهذا الشباب من ظلم وإذلال وانسداد أي أفق وأمل أمامه بالتحرر وممارسة الكرامة الذاتية والوطنية، فيخرج لاستعادتها! وكما قال نتنياهو في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست (12 تشرين الاول): "الارهاب ليس نابعًا من الاحباط من انعدام تقدم على المسار السياسي، بل من الرغبة في القضاء علينا" وعاد كالعادة الى اتهام الفلسطينيين بالتحريض!!
لكن هذا الخطاب الفارغ والتافه، والذي ينطلي مع هذا للأسف على كثيرين جدا في المجتمع الإسرائيلي، يرتطم ليس فقط بالمنطق والواقع والتفكير السليم البسيط، بل حتى بتقديرات وتحليلات أحد أكبر أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية؛ شعبة الإستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال نفسه..
فقد قال رئيس شعبة الاستخبارات الجنرال هرتسي هليفي في جلسة الحكومة، الأحد، إن احد أسباب "موجة الإرهاب الأخيرة" (على حد تعبيره) هي مشاعر الغضب والإحباط بين الفلسطينيين وخصوصًا الجيل الشاب. هناك شبان يخرجون لتنفيذ عمليات لكونهم يائسين من الوضع ويشعرون انه ليس لديهم ما يخسرونه، كما شدّد. وهو ينضم بهذا الى أصوات عسكرية وأمنية أخرى (ليس يسارية ولا تقدمية..) تربط بوضوح بين ما يجري وبين سياسة الحكومة. وليس مستبعدًا أن يضم نتنياهو هؤلاء العسكريين أيضًا الى من يسميهم "محرّضين" بغية حماية صنم الكذب بقرابين الدم من الشعبين!
