إن الحرص على المستويين، الشعبي والرسمي، الفلسطينيين في الضفة الغربية (المحتلة لمن نسي! رغم وجود السلطة الوطنية) يستدعي الوقوف بكل وضوح وجرأة وموضوعية لإصلاح كل خلل أو تجاوز أو ظلم يلحق بأي مواطن فلسطيني.
وقد وقع ظلم واعتداء بشع من عناصر في جهاز الأمن الوطني الفلسطيني بحق فتى فلسطيني خرج، أمس الأول، في بيت لحم ليطلق الصرخة ضد الاعتداءات الاسرائيلية، عسكريًا واستيطانيًا، على الأقصى والقدس! وقد تم، لحسن الحظ، توثيق الاعتداء مما أثار الغضب الشعبي المشروع وجعل الحكومة الفلسطينية تتدارك الأمر بتشكيل لجنة تحقيق في الحدث.
هذه الخطوة مهمة ولكنها غير كافية. فهناك حالات سابقة موثقة لاعتداءات عناصر امن تابعة للسلطة على متظاهرين فلسطينيين. وهو ما يحتاج فحصًا يتعدى التحقيق في الاعتداء الراهن. نقول هذا لأنه يجب تدقيق وتوضيح "العقيدة" التي تحكم أجهزة الأمن الفلسطينية، لتتوافق مع الذي يُقال ويُعلن: أنها أولا في خدمة المواطنين الفلسطينيين؛ وجزء من هذه الخدمة هو حماية حق كل فلسطيني بالتظاهر ضد شتى الموبقات، فكم بالحري ضد اعتداء المستوطنين وعناصر الاحتلال الاسرائيلي على معلم وطني وروحي هام كالأقصى؟!
ليس سرًا أن جزءا، على الأقل، من تنظيم وتدريب أجهزة أمن فلسطينية تم بإشراف أجهزة أمن ومخابرات أمريكية خصوصًا. وهو ما كانت نقلته، مثلا، "الغارديان" البريطانية في كانون الأول عام 2009، حيث نفى المسؤولون الفلسطينيون وجود إشراف معترفين فقط "بالتنسيق"! في جميع الأحوال يجب أن نأمل ونتوقع تقليص هذا التنسيق، والتأثر الناجم عنه، الى درجة الصفر. لأن العقيدة الأمنية الأمريكية، وربيباتها الاسرائيلية و"العربية"، هي عقيدة معادية للشعوب ومصالحها، ولا نريد لها أن تلوث المناخ السياسي الفلسطيني..
وبدافع الحرص أيضًا، يجب التذكير بتنامي خطاب شعبي يوازن ما بين وقوع اعتداءات من عناصر أمن تابعة للسلطة على مواطنين فلسطينيين، وعدم تصدي العناصر لاقتحامات قوات الاحتلال بلدات ومخيمات وبيوت فلسطينية. يجب عدم تجاهل الآثار الخطيرة لتراكم وتعاظم مثل هذا الخطاب بكونه يفتح أبوابا للاصطياد في المياه العكرة من قبل جهات (بعضها عربية!) معادية للحق والمصلحة الوطنية الفلسطينية.
إن تفكيك هذا الخطاب لن يتم بكم أفواه من يجاهرون به، بل بتغيير جذري في أداء أجهزة السلطة وبينها الأمنية لإزالة "البنية المادية" التي تتيح نشوءه.
