- الدولة الفلسطينية المستقلة لن تقوم في ظل ميزان القوى الذي نشأ منذ انتهاء الحرب الباردة. وإسرائيل لن تقِّدم للفلسطينيين ما يزيد على الحكم الذاتي الإداري المسيطر عليه من قبلها. والتعويل على الولايات المتحدة وهمٌ. غير أن ميزان القوى غير المسعف لن يظل على حاله، ولن يكفّ عن التبدل في اتجاه تقليص قوّة المعسكر الرأسمالي الذي انتصر في الحرب الباردة.
//
هذا هو الحديث الرابع الذي يختم ما أوحت به الذكرى الرابعة والستون للنكبة ليجيب على السؤال الذي تكرر في الأحاديث الثلاثة السابقة: هل يستمر الأمل بأن يظفر شعب فلسطين بدولته المستقلة، وما هي السياسة المطلوبة لإبقاء هذا الأمل حيًّا؟
استبقاء الأمل حاجة لا يمكن الاستغناء عنها حتى لو ضاقت فرص تحقيقه. وفي الحياة العامة يستمر اليائسون أنفسهم في الكفاح لبلوغ الهدف. كفاح اليائس شكلٌ من أهمّ أشكال الكفاح وأكثرها تطلّبًا للجهد والوعي والإرادة والقدرة على الصبر وتحمّل الأذى.
في تقصّي المساحة الباقية من فرصة تحقيق الأمل بالدولة المستقلة لا يملك أحد أن يُنكر أن هذه المساحة قد تقلصت منذ غاب القطب الإشتراكي عن المشهد العالمي. فهذا القطب كان، بين الجميع، هو الأشدّ تمسكًا بضرورة إقامة الدولة الخاصة بشعب فلسطين والأقدر على إقناع الفلسطينيين أنفسهم باستهداف إقامة الدولة التي هيأت لهم قرارات المجتمع الدولي الظفر بها، أي برسم هدف يُمكن الوصول إليه في ضوء ميزان القوى الذي كان قائمًا. تقلّص المساحة الباقية من هذه الفرصة يوجب، هو ذاته، التشبث بالهدف وعمل ما يلزم لتوسيع المساحة.
هناك على الساحة الفلسطينية من يعرضون التوجّه إلى هدف آخر. هؤلاء يرون كم ضاقت فرصة الظفر بالاستقلال، فيدعون إلى استهداف العيش مع الإسرائيليين في دولة واحدة. وهم يجلجلون بمزايا للدولة الواحدة لو صدقناها لصار من المدهش أن يعرضوها وكأنها الحل الذي اضطروا اضطرارًا إلى القبول به.
في الواقع، بعيدًا عن المزاعم الرغبية والأخرى المضلّلة، حلُّ الدولة الواحدة متجسّد في الوضع القائم. فما هو موجود بين النهر والبحر ليس سوى دولة واحدة. والسيطرة على فلسطين بكاملها، السيطرة التي تنسحب حتى على غرف نوم الفلسطينيين الموجودين فيها، معقودة للإسرائيليين، أو هي، بعبارة أدق، معقودة للصهيونيين. وليس على الداعين إلى الدولة الوحيدة بديلا عن الدولة الفلسطينية المستقلة، سوى الجهر بالاستعداد لقبول دوام الاحتلال والسيطرة الإسرائيليين.
نسبة المزايا المتوهمة إلى معطيات تطور ديمغرافي، متوهم هو الآخر، تنطوي على استهانة خطيرة بحقائق العلوم وحقائق التاريخ. الرهان على خصوبة الإنجاب وحدها، ثم على وجود أغلبية فلسطينية في الدولة الواحدة، هذا وذاك يوشكان أن يكونا طرفة سوداء. فالعلم يقول إن الخصوبة ليست سمة ثابتة، فهي مرتبطة بالتطور العام كله. وحقائق التاريخ تظهر حالات لا عدّ لها سيطرت فيها أقليات قليلة العدد على جموع لا حدّ لوفرة أعدادها. في جنوب أفريقيا سيطرت حفنات من المستوطنين البيض على البلد سنين بلغت المئات؛ في الجزائر امتدت سيطرة مماثلة لما بلغ قرنًا وثلث قرن، في دول عديدة، في معظم الدول، تتحكم بمصير الجموع أقلياتٌ قليلة العدد.
عيش مجموعتين بشريتين مختلفتين في دولة واحدة يمكن أن يتمّ في واحدة من صيغتين: سيطرة جماعة منهما على الأخرى، وهذا قائم الآن على أرض فلسطين بوجود دولة واحدة فقط عليها؛ أو اقتناع أغلبية الناس في الجماعتين كلتيهما بضرورة العيش معًا وتقاسم الحقوق والواجبات بالتساوي، وهذا ما ليس قائمًا وما يتعذر أن يقوم في أي زمن يمكن التنبؤ بإمكانية حلوله.
الدعوة إلى حل الدولة الواحدة قفزةٌ في فراغ تتخطى ما هو مطلوب مما هو ممكن ولا تحطّ في أي مكان، إلا أن يُعدّ الخواء بين الأمكنة. وإذا وجه الفلسطينيون جهدهم نحو تحقيق حلّ الدولة الواحدة، فهذا لن يُفضي إلا إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال والسيطرة الإسرائيليين وتسليم جموع الفلسطينيين المقيمين في الوطن إلى عذابات قد تمتد لمئات السنين، وطيّ مطالب جموعهم المشتّتة خارج وطنها طيًّا كاملا.
يبقى، بعد هذا، أن استهداف إقامة الدولة الخاصة بشعب فلسطين هو ما ينبغي التشبّث به. وهذا يقتضي رفض الاستسلام لليأس، أيًّا ما كان عليه حجم الأسباب التي تدفع إليه.
الدولة المستقلة هذه لن تقوم في ظل ميزان القوى الذي نشأ منذ انتهاء الحرب الباردة. وإسرائيل لن تقِّدم للفلسطينيين ما يزيد على الحكم الذاتي الإداري المسيطر عليه من قبلها. والتعويل على الولايات المتحدة وهمٌ. غير أن ميزان القوى غير المسعف لن يظل على حاله، ولن يكفّ عن التبدل في اتجاه تقليص قوّة المعسكر الرأسمالي الذي انتصر في الحرب الباردة.
بكلمات تبقينا في سياق الإجابة على السؤال الكبير، يمكن القول إن كلّ ما نشهده الآن يظهر تناقصًا مطرّدًا في قوة الأطراف التي تعيق قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وهذا مسار من الواضح أنّه سوف يستمر. غير أن هذا المسار المسعف لن يكتمل في أيام أو شهور أو سنين قليلة، وقد لا يبلغ مداه قبل انقضاء عقود.
في غضون ذلك، سيواجه الفلسطينيون، هنا على أرض وطنهم وهناك في الشتات، جبالا من المصاعب والعذابات. وفي الغضون، أيضًا، ستجتهد إسرائيل ومن يشدّون على يدها لاستكمال تدمير الوجود الوطني لشعب فلسطين، وتفتيت بُنى هذا الشعب التحتية والفوقية، وإلغاء فرصة استفادة هذا الشعب من التطورات المرتقبة في ميزان القوى العالمي.
إنه بزرخ خطير، ليس أمام الفلسطينيين المضطرين إلى عبوره سوى الدفع باتجاه اعتماد سياسة وطنية تلائم الحاجة إلى تجنب الضياع. والقابضون من الفلسطينيين على الجمر مدعوون للعمل من أجل استبقاء عوامل الوجود الوطني ونقاط القوة اللازمة للاستفادة مما هو آتٍ. وهذا يعني اتباع سياسة هدفها الأساسي هو منع اكتمال النكبة، أيّ تقليل الكوارث وتقليص الخسائر. وهو يعني تجنّب بث الأوهام التي أدمن بعض القادة على بثِّها، كما يعني الكفّ عن ترويج الشعارات الانتصارية، تمامًا كما يعني رفض الاستسلام لإملاءات الوضع الراهن.
الحاجة لمثل هذه السياسة تضعنا مباشرة في مواجهة سلبيات لوضع الفلسطيني الذاتي. وهنا، بالذات، يكمن عقب آخيل، حيث يمكن أن يقع لشعب فلسطين ما وقع في مرّات سابقة: أن تفوته فرصة الاستفادة من التحول في ميزان القوى العالمية، لا لشيء إلا لافتقاره إلى القوى التي تستثمر هذا التحول. وهنا، أيضًا، ينبغي أن تنصبّ جهود القابضين على الجمر لتقليص أضرار السلبيات.
