إن شعوب العالم الراقية خاصة دول الغرب تخلد ذكرى زعمائها ورؤسائها في صفحات التاريخ، ويدرسون سيرة حياتهم في المدارس والجامعات ويستخلصون العبر من تجاربهم السياسية والاجتماعية والإنسانية ويجسدون معالمهم بنصب تذكارية، ويطلقون أسماءهم على الشوارع والمؤسسات الحكومية ويعلقون صورهم على جدران المؤسسات الرسمية والحكومية ويعلمون الأجيال الصاعدة عن هذا التراث الحضاري.اما نحن العرب فحاول النيل من شخصياتنا العظام وتشويه صورتهم أمثال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بأساليب كاذبة تنم عن احقاد الناقدين واهدافهم الشخصية، مع ان أعداء الرئيس جمال يعترفون بشخصيته الإنسانية ويقرون بأعماله الإبداعية في خدمة بلده مصر أولا ثم في خدمة الامة العربية جمعاء .تعودت ان اكتب كل سنة في ذكرى رحيل محبوب الملايين الزعيم الفذ الراحل أبو خالد جمال عبد الناصر الذي انتقل الى جوار ربه في 28/9/1970 نتيجة الضغوطات العربية، وخاصة احداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970 بين الفلسطينيين والاردنيين حيث راح ضحيتها أكثر من عشرين ألف فلسطيني فعقد سيادة الرئيس جمال مؤتمر قمة عربية لوقف نزيف الدم العربي العربي في الأردن وراح هو ضحية هذه الضغوطات العربية اثر ازمة قلبية حادة وتوفي في 28/9/1970. وما شدني للكتابة أكثرا ما صدر عن الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى في مذكراته عن سيرته الذاتية والحياة السياسية المصرية، وذكر ضمنها عدة وقائع عن شخص الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوله:" ان عبد الناصر كان يستورد طعاما خاصا له من الخارج وتحديدا من سويسرا لاهتمامه بنظام غذائي يؤدي الى تخفيض الوزن..واضاف ان مظاهر التنحي عن الرئاسة بعد نكسة عام 1967 كان مسرحية وان عبد الناصر اختصر مصر في شخصه فكل ما هو جيد له جيد لها " .امتاز عبد الناصر عن كل الرؤساء العرب وزعماء العالم بانه عاش حياة بسيطة وكان والده يتقاضى راتبا شهريا قدره 20 جنيها بالكاد يكفي للانفاق على اسرته وهذا ما دفع عبد الناصر ان يشعر بالفقراء وينحاز لهم في كل قراراته بعد توليه رئاسة الجمهورية. لم يعش عبد الناصر حياة بذخ وترف وظل بسيطا يشتري قماش البستة من محافظة المحلة الكبرى للنسيج المصري ويذهب الى الترزي ليفصل بدلاته. كان عبد الناصر يقطن في منزل متواضع في منشية البكري في القاهرة ومات فيه وفي احدى المرات اقتضت الظروف ان ينقل محل اقامته من منشية البكري الى قصر " الطاهرة " أحد القصور الملكية ولكنه لم يلبث بعد يومين ان عاد الى منزله القديم في منشية البكري وقال:" انا ما اقدرش أعيش في مكان كله تحف واشياء ثمينة ". وعندما أصيب بالآلام في رجليه أوصى الأطباء ضرورة انشاء حمام سباحة في بيته وعندما علم ان التكاليف لإقامة الحمام تصل الى خمسة آلاف جنيه رفض اقامته رفضا قاطعا. كان يملك عبد الناصر سيارة اوستن صناعة مصرية قبل الثورة وبعد الثورة وفي أحد الأيام الح عليه والده لشراء سيارة فاستجاب له واشترى له سيارة بالتقسيط دفع ثمنها الرئيس من حسابه الخاص إرضاء لوالده. كان الرئيس جمال عبد الناصر يتقاضى معاشا شهريا قره 500 جنيه كان يملك 8 ازواج احذية و10 بدلات ومجموعة من الكرفتات ولم يترك لزوجته وأولاده أي ارث لا شركات ولا مصانع كما ترك السادات ومبارك. كان عبد الناصر معروفا بشخصيته الشريفة غير الفاسدة وصدق رجل المخابرات الامريكية يوجين جوسين حينما قال عن عبد الناصر:" كان رجلا بلا رذيلة مما يجعله من الناحية العملية غير قابل للتجريح فلا نساء ولا خمر ولا مخدرات ولا يمكن شراؤه او رشوته او حتى تهويشه نحن نكرهه ككل لكننا لانستطيع ان نفعل تجاهه شيئا لأنه بلا رذيلة " .كان يعمل 18 ساعة يوميا ولا يستغل العطل لراحته وفي نفس الوقت يكرس وقتا خاصا لزوجته وأولاده، ومن أبرز هواياته القراءة فقد قرأ الكثير عن الإسلام وعن شخصية الرسول العظيم وقرأ عن الصحابة الكرام وخاصة عن الخليفة عمر بن الخطاب، كما قرأ العديد من السير الذاتية لزعماء قوميين أمثال نابليون واتاتورك وبسمارك.هذا هو الزعيم المتواضع جمال عبد الناصر محبوب الملايين ولا زال الذي لم يحيَ حياة الأثرياء في قصور ولم ينفصل عن شعبه، بل كانت حياته في غاية البساطة من تقاليد وعادات الشعب المصري وكانت هذه اكثر جوانب صور عبد الناصر التي ادخلته قلوب الملايين من مشرق الوطن العربي الى مغربه ولم تستطع المحاولات المستميتة ان تقتلعها وليس غريبا على عبد الناصر ان يسمي معظم الفلاحين والفقراء أولادهم واحفادهم باسمه فهو الزعيم الرائد للنهضة الزراعية في مصر ليخلص الفلاحين من التبعية والعبودية للإقطاعيين بعد منحهم الأراضي التي كانوا يعملون بها بنظام السخرة .
لماذا هذا النيل يا سيادة الأمين العام السابق للجامعة العربية من شخصية عبد الناصر الذي كان يأكل طعام الطبقة الوسطى في مصر وفي فطوره كان يتناول الفول المدمس والزيت والزيتون والزعتر، وهذا ما وصفه صحافي الماني حينما زاره في بيته ووجد امامه هذا الفطور المتواضع جدا وفي الغداء كان يتناول وجبة أرز وخضروات مثل الكوسا والبامية وكان يتناول أحيانا قطعة من اللحم او السمك وفي العشاء يتناول الجبنة البيضاء، فمن اين هذه الادعاءات انه كان يستورد طعامه من سويسرا؟؟؟. عبد الناصر الذي لم يترك ارثا لزوجته وأولاده ووجد في حسابه بعد وفاته 84 جنيها مصريا .وهنا اود ان اشير الى حياة السيد عمرو محمود أبو زيد موسى من مواليد القاهرة في 3/10/1936 لعائلة سياسية بمحافظة القليوبية كان والده محمود أبو زيد موسى نائبا في مجلس الامة عن حزب الوفد ( حزب الوفد تأسس عام 1917 بقيادة الزعيم سعد زغلول ) عمرو موسى حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة القاهرة عام 1957 التحق بالسلك الدبلوماسي لوزارة الخارجية المصرية عام 1958 عمل مديرا لإدارة الهيئات الدولية بوزارة الخارجية عام 1977 ومندوبا لمصر لدى الأمم المتحدة عام 1990 وامينا عاما للجامعة العربية من عام 2001الى عام 2011 وفي عام 20123 ترشح في انتخابات الرئاسة وخسر وجاء بالترتيب الخامس لحصوله على 100 بالمئة من الأصوات الصالحة ). هذا هو عمرو موسى السياسي المخضرم الذي عايش عبد الناصر وعرفه عن كثب واشغل مناصب سياسية هامة جاء بعد 47 عاما يتجنى على عبد الناصر ويتهمه هذه التهم الباطلة. هذا الزعيم والقائد الفذ الذي ارتفعت صوره ورددت اغانيه الثورية في مصر وفي معظم الأقطار العربية .وهنا اود ان أقول للسيد عمرو موسى ولكل من تخوله نفسه النيل من هذه القامة الشامخة والشخصية الأسطورية ان عبد الناصر كان رمزا للكرامة العربية وشخصية بارزة في جميع انحاء الوطن العربي شخصية هامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث ويعتبر بطل العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ 400 عام.عبد الناصر صانع المعجزات أمم قناة السويس وبنى المعجزة الكبيرة السد العالي صاحب ثورة 23 يوليو وباعث ثورات التحرر العربي من الاستعمار في الوطن العربي.عبد الناصر أحب العروبة مثلما عشق مصر وكانت كل أحلامه وامانيه ان يرى علم العروبة يرفرف عاليا في سماء الوطن العربي الكبير. رحمك الله يا أبا خالد وستظل ذكراك خالدة في ذاكرتي وذاكرة مصر والشعوب العربية والعالم الحر عشت فقيرا ومت فقيرا.
مع خالص الوفاء لجمال عبد الناصر
(دير الاسد)
