ماركس يحجل في بريطانيا!

single

ما شهدته لندن هو انتفاضة الفوضويين و احتجاجاً على افتقارهم إلى الحد الأدنى من سبل العيش في المجتمعات الرأسمالية

 

لعقود خلت ظل خصوم كارل ماركس يأخذون عليه مراهنته الكبيرة على تفجر الصراع الطبقي في بريطانيا أولا و انفتاح الطريق أمام ثورة البروليتاريا العالمية، نظراً لأنها كانت قد بلغت ذروة التقدم الصناعي وتمركز رأس المال و أدواته و علاقاته في أيدي حفنة من البرجوازيين و لأنها كانت تضم في المقابل طبقة واسعة متبلورة من عمال المصانع. و ما حدث هو أن التاريخ أسقط مراهنة ماركس الذي قضى في مكتبة لندن وقتاً طويلاً وهو يقرأ و يكتب بعد أن نفي إليها من المانيا عام 1849، لأن بريطانيا طوّرت بيروقراطية و تكنوقراطية عمالية اشتراكية تحالفت مع رأس المال وغدت نموذجاً لعشرات الأحزاب العمالية الاشتراكية في أوروبا و العالم، و لأن روسيا التي لم يولها ماركس الدرجة نفسها من العناية التي أولاها لبريطانيا احتضنت الدكتاتورية البروليتارية الأولى في العالم على أنقاض نظام إقطاعي زراعي متهالك، و لم تلبث هذه الدكتاتورية البرولتيارية أن تهاوت ذاتياً بعد سبعة عقود.
و إذا كان ماركس قد جانب الصواب في غير قليل من توقعاته ومراهناته جرّاء احتكامه الشديد إلى الفهم المادي الميكانيكي لحركة التاريخ على حساب العامل الذاتي للشعوب و خصوصية المجتمعات أو قد أثبت الربيع العربي وجاهتهما إلى الذاتي للشعوب و خصوصية المتبعات (و قد أثبت الربيع العربي وجاهتهما إلى درجة أن بائع بسطة يمكن أن يشعل ثورة دون حزب عمالي أو طليعة ثورية) فإن من الصعب جداً انتحال العذر لصحيفة مرموقة مثل الغارديان البريطانية التي سارعت إلى تحميل القذافي مسؤولية أعمال الشغب و العنف التي ضربت لندن و بعض المدن البريطانية لمجرّد أنه هدد بنقل ساحة الحرب إلى أوروبا عبر أتباعه و ذلك رداً على موقف أوروبا المناهض له و المساند للمعارضة! من الصعب جداً انتحال العذر لهذه الصحيفة العريقة التي تبنت مثل هذا السيناريو لأنها بدت أقرب ما تكون إلى احدى صحف الحزب الحاكم في تونس أو ليبيا أو مصر أو اليمن أو سوريا، حيث يمكن لنظرية المؤامرة أن تجد العديد من الداعمين في السلطة و العديد من المؤيدين في أوساط الناس.
ما حدث في بريطانيا لا يمكن تبريره بنظرية المؤامرة، أو عبر الاعتقاد بوجود أزمة نظام سياسي أو افتقار للشرعية؛ فالنظام البريطاني ديموقراطي بامتياز و قد نبهت أعمال الشغب إلى حقيقة الفائض الديموقراطي البريطاني الذي حال دون استخدام القوة اللازمة لمواجهة هذه الشغب. ما حدث في بريطانيا يمثل في تقديرنا نموذجاً للكيفية التي يمكن وفقها (لمجتمع الهامش) أن ينفجر و يعبر عن غضبه الأعمى المكبوت جرّاء التغاضي المتواصل والإهمال المستمر الذي مارسه مجتمع النخبة البريطاني تجاه هذا (الهامش)، و قد مثل مقتل الشاب الزنجي على أيدي الشرطة البريطانية الشرارة التي أطلقت هذا الغضب؛ فليس سراً أن لندن و غيرها من عواصم الغرب تخفي خلف بناياتها الفخمة و متاجرها الفارهة فلولا من المشردين والمدمنين والفارين من الخدمة العسكرية و الشاذين جنسياً و البوهيميين والفوضويين والمطلوبين للعدالة و غير قليل من المثقفين و الكتاب الغاضبين الذين يجمع بينهم أنهم صغار السن نسبياً ويتحدرون من طبقات مختلفة و ينتمون إلى أديان و أعراق و ألوان متعددة و لا يحملون أوراقا ثبوتية لأنهم ما زالوا يحلمون بامكانية إيجاد فردوسهم المفقود المتمثل في المجتمع المشاعي المبرّأ من أي شكل من أشكال السلطة و الدولة! و مع أن العديد من الفلاسفة و علماء المجتمع مثل فوكو و جيدنز قد حذروا من عواقب توسع هذا (الهامش) بطرق عديدة إلا أن المجتمع الغربي ظل ينظر إلى هذا (الهامش ) على انه اكسسوار رومانسي أو برّي يمكن أن يخفف من وطأة الشعور الحاد بقسوة المجتمع المادي التكنولوجي، إلى الحد الذي سمح لبعض ممثليه أن يقيموا معارض فنية صادمة للذائقة المدنية، فاحتضنت روما معرضاً اشتمل على لوحات عالمية مثل الموناليزا التي تم تشويهها عمداً تعبيراً عن رفض هذا الهامش لكل قواعد الذوق المعاصر، كما أن لهذا الهامش سوقاً موسيقية رائجة وشعراء وكتاباً و شعارات تمثل في مجموعها ثقافة (الاندرجراوند) في أوروبا و أميركا.
لقد كان يمكن لهذا (الهامش) أن يظل مجرّد دليل على ديمقراطية الغرب و تعدديته الزائدة عن الحد، لولا أن تيار (الطريق الثالث) الذي حاول الجمع بين إيجابيات الرأسمالية و الاشتراكية في آن واحد و اكتساح دوائر صنع القرار في أوروبا و أميركا قد شهد تراجعاً حاداً أمام تيار اليمين المحافظ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي و انتفاء الحاجة إلى تقديم أية (رشوات) للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى و غيرها من الشرائح المسحوقة، فسيطرت الداروينية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية والثقافية، وحرم مجتمع (الهامش) من أبسط أنواع الفتات التي كانت تلقى له بتواطؤ مشترك منه و من مجتمع النخبة، تحت مسمى التقشف أو تخفيض الانفاق جرّاء الأزمة المالية العالمية، و لو قيض لماركس أن يعود إلى الحياة و يشهد ما شهدته لندن لقال: إنها انتفاضة الفوضويين و البوهيميين احتجاجاً على افتقارهم إلى الحد الأدنى من سبل العيش التي كانت تتيح لهم فرصة الاستمرار في انتاج فردوسهم المفقود وفقاً للاتفاق غير المكتوب بينهم و بين المجتمعات الرأسمالية.

 

(عن "الدستور" الأردنية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الطَّنطوريَّة"

featured

الهجمة على الحيز الديمقراطي في جهاز التعليم - التحدي التربوي: التعامل مع موضوع النكبة، كمثال

featured

غزة ...الانبعاث الجديد للقضية الفلسطينية

featured

يوم الأرض هو ليس فقط يوم الذكرى: يوم النضال ضد كل ما يحدث الآن

featured

إسرائيل "المحاصرة"، ودولة سيئة السمعة ولكن...

featured

كنتم اذكياء لم تقعوا في المصيدة

featured

آل سعود والتآمر اللا محدود

featured

عندما تئن المدن...