السرطان الطائفي (1): الطائفيّة بوصفها عمالة

single

كان الملك الأردني عبد الله الثاني أوّل من استخدم مصطلح "الهلال الشيعي" الذي صار يتردّد لاحقًا على الكثير من الألسن، وذلك أثناء زيارته للولايات المتحدة في أوائل شهر كانون الأول 2004 (تصريحات لـ "واشنطن بوست"). وقد قصد به خطًا وهميًا يربط إيران، العراق، سوريا ولبنان، وهي دول يشكل الشيعة جزءا من مواطنيها. عبد الله صوّر هذا "الهلال" كخطر كبير يجب مواجهته، ثم جاء بعده الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الذي شكّك بوقاحة في "ولاء الشيعة العرب" ناسبًا إياه الى ايران (قناة "العربية"، أيار 2006). وبعده جاء وزير خارجية نظام آل سعود الذي دعا الى تشكيل "هلال خصيب بدلا من الهلال الشيعي".
اختراع وترسيخ هذا المصطلح المختلق شكّل في حينه مساعدة كريمة لنظام جورج بوش. يومها كان بوش وزمرة مساعديه/محرّكيه يسوّقون نظرية "محور الخير ومحور الشر"، والذي بدأ بموازاته الحديث الحثيث في سياق العرب عن اعتدال السنة مقابل تطرّف الشيعة.. وتدفق السيل.. سيل سياسي عارم ملوّث بلغة طائفية تعميمية فارغة، لكن ذات وقع وأثر خطيرين. فبالإضافة الى أنه من غير المقبول ولا المعقول أن يتولى بوش وزمرته مهمّة تعريف مفاهيم الاعتدال والتطرّف، بدا أن الأفق يتلطّخ بمشروع جديد من التقسيم الاستعماري! ليتأكد ثانية أن الطائفية في خدمة الاستعمار.
أحد المقاييس التي يجب رفع تدريجها لتحديد الهوية السياسية لمؤسسة/فئة ما، هو مقياس الطائفية. مثلا: يجب الاشتباه فورًا بكل حزب أو قيادي أو وسيلة إعلام او حركة حين يستخدمون مصطلحات سني وشيعي ومسيحي وعلوي ودرزي والى آخره، في محاولاتهم اختزال الهويات السياسية، وبالتالي تفتيت الهوية العربية الجامعة.
اختيار المفردات لا يأتي من باب العفوية. بل يحمل موقفًا وينطوي على هدف. اللغة التي تتعامل مع الشعوب "غير الغربية وغير الشمالية"، أو ما يُعرف بـ "العالم الثالث"، على أنها مجرد حشد عشوائي من الطوائف/ القبائل/ الجماعات، وليس شعوبا بالمفهوم الحديث، هي لغة استعمارية. هذه اللغة ليست تأملية ولا شعرية ولا أدبية؛ لغة تنطوي على أهداف غير لغوية وغير معنوية بالمرة؛ لغة جاءت لتخدم أهدافًا سياسية واضحة: التقسيم بهدف فرض الهيمنة و/أو تسهيل نهب الثروات الوطنية من أصحابها. هذه اللغة المقززة لا تزال تجري، مثلا، على الألسن السلطوية الاسرائيلية التي تقسمنا – الفلسطينيين الباقين في وطننا – الى "أقليات طائفية" وترفض الاعتراف بانتمائنا الوطني الجامع ولا بذلك القومي الواسع.
كل من يعتمد هذه اللغة التفتيتيّة يتورّط في مشروع تقسيم الشعوب العربية الى طوائف، وبالتالي (من حيث يدري وليس "لا يدري"!) يختار التبعيّة والتذيّل وتقديم الخدمات المجانية للاستعمار وللصهيونية - أعداء شعوبنا، والشعوب عمومًا، ومصالحها الحقيقية.
فآلية التقسيم الطائفي هذه استخدمها المستعمر بشكل منهجيّ ومدروس وهادف لتحقيق غاية الهيمنة. وحين يخرج من بين العرب من يتبنّى ويستخدم ويردّد خطاباتٍ طائفيّة المضمون، فإنه يلعب دور المتواطئ والعميل مع مشاريع التقسيم والهيمنة الأجنبيّة. هذه اللعبة هي ضرب من ضروب العمالة. الطائفية عمالة!
ينطبق هذا على من يقرر قراءة احتجاجات السعودية أو البحرين وترسيخها على انها "احتجاج شيعيّ ضد السنّة". لأنه يساهم في مساعي التفتيت وحرف النضالات الشعبية عن اهدافها وخنقها في مستنقع الطائفية السام؛ لأنه يبرّئ الأنظمة القمعية من جرائمها؛ لأنه يشارك إسرائيل الرسمية خطّتها وفرحتها بإقفال أفق التغيير والتقدّم للأفضل لشعوب العرب؛ لأنه يدعم "طائفيي الأقليات" الذين يخدمون بتعصّبهم النظام الذي يستفيد من هذه العصبيّات المتخلفة ليقمع الجميع، أغلبية وأقليات. هذا الأمر ينطبق طبعًا على سوريا وعلى لبنان أيضًا وكل مكان.
ربما يقول أحدنا إن التقسيمات الطائفية كانت موجودة دائمًا. نعم، الشعوب كلها متعددة وتشمل مختلفين في الانتماءات، وبينها الطوائف؛ إنتماءات (يجب أن) تكوّن معًا الانتماء الوطني الأكبر. لكن المشكلة تبدأ عندما يبدأ اللعب والتلاعب بحقارة بهذه الاختلافات. عندما يأتي لغرض خدمة مصالح مشبوهة. وسواء استثمرها زعيم محلي تافه الوزن النوعي لغاياته الأنانية الضيقة، أو سوّقها آخر "أكثر حداقة" لتعزيز علاقات المصالح والفوائد التي تربطه بمهيمن خارجي، فإن اللعبة القذرة تكون قد بدأت. وهنا يجب أن تبدأ محاربتها فورًا دون مهادنة.
من يتمعّن جيدًا يرَ أن لعبة التقسيم الآن في أوجها، وعلى قاعدة الطائفية بالأساس. هذا ما جرى في السودان، وفي العراق ويتواصل في سوريا. وعن لبنان حدّث ولا حرَج. هناك من يؤجّج ويحرّض ويسعى لإنتاج هويات ضيقة منغلقة مسطّحة أحادية متعصبة منقطعة عن تاريخها، وغبيّة. وللأسف هناك أرضية جاهزة للاستجابة للتحريض. إنها أرضية الفقر والاحباط وقلة الوعي – أي بالضبط ما أنتجه وينتجه المحرّضون على الطائفية، أنفسهم. دائرة مقفلة قذرة يجب كسرها. وهذا هو الدور الأساس للتقدميين والوطنيين، وليس تأبين ونعي ثورات الشعوب العربية صبحًا ومساءً بدل محاولة تصويب مساراتها، ولا الاكتفاء باتهامات كلامية للامبريالية من دون التمعّن في وسائل مواجهتها الفعلية، ولا التعاطي مع الساعة السياسية الخطيرة الراهنة وكأنها لعبة كرة قدم.
يجب مواجهة مشاريع التقسيم والتفتيت بشراسة، تلك التي ينخرط فيها "أصدقاء الامبريالية" وتلك التي يضطلع بها أيضًا من يسمّون أنفسهم "أعداء الامبريالية" ولكن من دون أدلة. فالطائفيون يلوّثون كافة الخنادق، ويجب محاربتهم في كل الخنادق!

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين كلام واشنطن وأفعالها!ّ

featured

رسالة مفتوحة إلى كي مون: ماذا أنت فاعل لغزة؟

featured

المرأة التي تتكلم بالإشارة، والمرأة التي تكتب من قلب سجنها

featured

المرأة ويوم 8 آذار - لن أتحدث اليوم سوى عن الورد المزروع خلف الريح

featured

من ذكريات شيوعي مخضرم

featured

لماذا يحب الشيوعيون فيدل كاسترو