التعددية الحزبية بين التعاون والتشرذم

single

*الفوارق بين الأحزاب الوطنية هي نقطة في بحر القواسم المشتركة* التعددية السياسية ليست شرذمة من جهة ولا تتناقض مع وحدة الصف من جهة أخرى* استمرار الشرذمة الوطنية تحت أي ذريعة هو خدمة مباشرة لليمين الصهيوني* تضييع الأصوات على قوائم لن تعبر نسبة الحسم هو جريمة وطنية يجب التصدي لها* إذا كانت معظم الأحزاب تدعو للحوار والتحالف ومع هذا بقي التشرذم فثمة طرف أو أكثر ينافق*

 

حين أسمع قيادات الجبهة وقيادات التجمع يتكلمون في قضايا المساواة والمواطنة والسلام أجد فرقا في الصياغات والنبرة لكنني أحتاج إلى مجهر لتبيان الاختلاف في الجوهر فيما بينهما. لقد رافقت وفدا سياسيا نظمه مركز عدالة إلى جنوب أفريقيا قبل بضعة أشهر ضم قيادات من الجبهة والتجمع والحركة الإسلامية: شوقي خطيب، وجمال زحالقة، وإبراهيم صرصور، وطلب الصانع، ورامز جرايسي، وحسن جبارين، وفتحية حسين، وأنا. التقى الوفد أثناء زيارته عددا من الوزراء والقيادات السياسية في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي. في كل لقاء كان يتحدث جميع أعضاء الوفد عن القضية الفلسطينية وقضايا السلام والمساواة وكان كل منهم يكمل ويؤكد على كلام زميله من الحزب الآخر دون ظهور أي خلاف. يبدو أنه حين نلتقي مع الآخر يبرز التشابه فيما بيننا أما حين نلتقي مع أنفسنا فيبرز الاختلاف. بعد الانتهاء من كل لقاء كنا نتساءل فيما بيننا: ما دمنا قادرين على عرض قضايا المساواة والسلام بشكل لا خلاف عليه فما هو الداعي لاستمرار التشرذم وصرف الطاقات على صراعات فئوية هي هامشية أمام الصراع مع اليمين الصهيوني المتنامي في إسرائيل.
وفي ساحة نشاط أخرى شاركت زملاء لي في الطواقم التي عملت على صياغة الوثائق التي صدرت عن لجنة المتابعة وعدالة ومدى والتي انتهت إلى ثلاث وثائق تختلف في صياغاتها وتوكيداتها ولكن ليس في مضمونها حيث جاءت الوثائق تكمل بعضها بعضا. لقد شارك في هذه الطواقم زملاء مقربون من الجبهة والتجمع في الأساس، وكان في طاقم لجنة المتابعة أيضا مشاركون من الحركة الإسلامية. إن إنجاز هذه الوثائق بمشاركة مختلف التيارات السياسية يؤكد من جديد بأن القواسم المشتركة أكبر بكثير من الخلافات بين التيارات السياسية.
أمام المساحة الواسعة من الاتفاق هنالك طبعا نقاشات وربما خلافات حول قضايا جوهرية لا يمكن تجاهلها، مثل الموقف من اتفاق أوسلو والموقف من حل الدولتين أو الدولة الواحدة وغيرها من الخلافات، لكن من متابعتي للنقاشات الدائرة حول هذه القضايا أستطيع القول بأن هذه النقاشات ليست منحصرة بين الجبهة والتجمع بل هي بداخل كوادر كل منهما، وهي لا تشكل مبررا لاستمرار التشرذم والصراعات بين القوائم العربية.

 

*التعددية السياسية لا تعني التشرذم*

مجتمعنا كبقية المجتمعات يتألف من فئات وطبقات لكل منها مصالحها ومنطلقاتها الفكرية وعليه فمن الطبيعي أن تنشط في مجتمعنا أحزاب مختلفة وهذا بحد ذاته ليس نقيصة حتى وإن كنا أقلية قومية تخوض صراع البقاء أمام أغلبية صهيونية. شعبنا ليس قطيعا يسير وراء قيادة أو تيار سياسي واحد، لكن بين هذه التعددية السياسية وبين التشرذم والاحتراب السياسي بون شاسع. التعددية لا تعني نزع الشرعية عن الآخر الوطني بل احترام الاختلاف بين التيارات الوطنية المختلفة. وهي لا تعني صرف الطاقات على مقارعة الأحزاب العربية والوطنية بدل صرفها على مواجهة التمييز والاضطهاد. التعددية لا تعني أن يتخذ حزب ما قراراته بما يناقض أو يضر بالحزب الوطني الآخر حتى لو كان ذلك مناقضا للمواقف السياسية المعلنة للحزب الأول. التعددية ليست رديفا للشرذمة وليست نقيضا للوحدة بل تجعل التحالفات وأحيانا الوحدة أمر ممكن. هذا حين لا تضيع البوصلة التي تحدد الأبعاد السياسية الحقيقية بين الأحزاب والتي تظهر القواسم المشتركة الكبيرة بين الأحزاب العربية الوطنية وتظهر تشابهها أمام الأحزاب الصهيونية اليمينية.
لست من دعاة تصفية الأحزاب ورص الصفوف في حزب واحد بحجة أن هذه الديمقراطية تعتبر ترفا لأقلية قومية مضطهدة. لكنني أرى ضرورة تعميق قيم التعددية التي تتيح لكل حزب التعبير عن مواقفه الخاصة به وفي نفس الوقت بناء تحالفات مع الأحزاب الوطنية الأخرى حسبما تتطلبه القضية الوطنية العامة. ربما أن توحيد القوى الوطنية لم يكن مناسبا في الانتخابات المحلية التي تتنافس فيها القوى السياسية العربية المختلفة على نفس المقاعد. لكن الأمر مختلف تماما في انتخابات الكنيست التي تنافس فيها جميع القوى الوطنية بقية الأحزاب الصهيونية في الكنيست. والقضية المطروحة هناك هي هل يقتصر تمثيل العرب في الكنيست على 6 أعضاء مثلا أو 12 أو أكثر. مع ارتفاع نسبة الحسم هنالك خطر حقيقي يتمثل باحتمال ضياع عشرات ألوف الأصوات العربية هباء إذا لم يتم عقد تحالفات واتفاقات تحول دون ضياع الأصوات العربية. إلقاء المواطنين العرب والقوى الديمقراطية بكل ثقلهم السياسي أمام أحزاب اليمين هي القضية الأساسية في انتخابات الكنيست.

 

*الجميع يدعو للحوار ولكن!*

قرأت في الأيام الأخيرة تصريحات صادرة عن معظم الأحزاب الوطنية تدعو للحوار ورص الصفوف نحو انتخابات الكنيست المقبلة وهذا شيء يثلج الصدر. السؤال هل تترجم هذه المواقف المعلنة إلى جهود حقيقية تضع المصلحة الفئوية والشخصية جانبا وتغلّب المصلحة الوطنية فوق كل شيء آخر.
ربما يسأل البعض كيف نتحالف مع هذا الحزب الذي تحالف مع حزب رجعي أو صهيوني في الانتخابات المحلية أو الطلابية ضدنا. من الواضح أن التحالف مع الرجعية والصهيونية لا يخدم المصلحة الوطنية العامة بل هو أمر مستهجن ومستنكر. ومع هذا علينا أن نعترف أن هذه التحالفات المستنكرة هي نتيجة التشرذم والاحتراب بين الأحزاب الوطنية. انتخابات الكنيست هي جبهة مختلفة جوهريا عن انتخابات السلطات المحلية أو الطلابية بحيث تواجه جميع القوى الوطنية اليمين الصهيوني. إن تكريس الشرذمة في هذه الانتخابات يعتبر جريمة ترتكبها كل الأحزاب الوطنية لا تقل عن التحالف مع حزب رجعي أو صهيوني لأن هذا التشرذم يترجم مباشرة بتقوية اليمين في الكنيست. المسافات في الساحة السياسية هي نسبية وعليه يجب ألا نستقصي أي حزب وطني وبعض مركبات الحركة الإسلامية من الحوار ورص الصفوف معا أمام اليمين الصهيوني في الكنيست. صحيح أن المسافة السياسية بين الجبهة والتجمع ليست كبيرة باعتبارهما أحزاب وطنية علمانية لكن في مواجهة اليمين الصهيوني المتطرف تبدو المسافة بينهما وبين بعض مركبات الحركة الإسلامية لا تحول بالضرورة دون التحالف معا في وجه هذا اليمين العنصري.
هنالك ضرورة لفحص إمكانية قائمة عربية تقدمية واحدة تشمل جميع الاحزاب العربية وقوى تقدمية أخرى وهذا أمر ممكن إذا ما وضعت المصالح الفئوية والشخصية جانبا. وإن لم يتحقق هذا فلا بأس من العمل على خوض المعركة الانتخابية بقائمتين كبيرتين شريطة أن تكون هنالك تفاهمات واتفاقات حول فائض الأصوات وحول التعاون في أروقة الكنيست لاحقا. بأي حال من الأحول يجب الالتزام بمبدأ التعددية التي لا تلغي شرعية الحزب الآخر بل تناقشه من جهة وتتعاون معه في إطار القواسم المشتركة أمام اليمين الصهيوني.
بالإضافة إلى رص صفوف الأحزاب الوطنية (في الأساس الجبهة والتجمع) يجب التصدي معا بكل قوة للقوائم الصغيرة التي لا تستطيع ضمان عبور نسبة الحسم والتي من شأنها حرق عشرات ألوف الأصوات كما حصل في انتخابات الكنيست السابقة. مثل هذه المخاطرة هي جريمة وطنية لا تغتفر يجب التحذير منها والتصدي لها بمسؤولية. بناء على استطلاعات الرأي العام قبيل موعد الانتخابات يجب دعوة القوائم الصغيرة إلى حل نفسها أو التصدي لها بقوة ودعوة الجمهور إلى مقاطعتها.
ربما يصعب على النشطاء الذين واجهوا نشطاء الأحزاب الوطنية الأخرى في الانتخابات المحلية الأخيرة الخروج من دائرة المحاسبة. لكنني على أمل كبير بأن قيادات الأحزاب الوطنية وخاصة الجبهة والتجمع، تستطيع جميعها تغليب الوطني على الفئوي وتقف جادة وراء دعواها للحوار والتحالف. الدعوة للحوار والتحالف هي استجابة لمطلب الناس التي سئمت التشرذم أمام الخطر المحدق بالمواطنين العرب. لذلك فإن من شأن نجاح مساعي الحوار أن تعيد ثقة الجمهور بالمؤسسات الحزبية والوطنية الأمر الذي يمكن أن ينعكس، إذا ما تم تخطيطه بحكمة، في رفع نسبة التصويت وبالتالي زيادة التمثيل العربي في الكنيست من جهة، ويزيد من جهة أخرى من التفاف الناس حول الأحزاب ومن مشاركة الجماهير في النضال الجماهيري والديمقراطي الذي تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة.
إذا كانت معظم الأحزاب تدعو بصدق إلى الحوار والتحالف فلا بد لهذا التحالف أن يتحقق، أما إذا لم يتحقق فثمة طرف أو أكثر ينافق.

 

*تغليب الجوهري على الشكلي*

قبيل إرسال هذا المقال للنشر فوجئت بإلغاء الاجتماع الذي كان مقررا يوم الاثنين 1 كانون الأول بين التجمع والجبهة. الأمر المحزن أن الاجتماع لم يتم لأسباب سياسية جوهرية بل لأسباب شكلية تتعلق بتركيبة الوفد. التجمع يقول إنّه تفاجأ من عدم مشاركة عضو الكنيست محمد بركة في وفد الجبهة لذلك قرر عدم الحضور، والجبهة تقول بأن لكل طرف الحق بانتداب من يشاء عنه. طبعا يمكن تحويل قضية تركيبة الوفد إلى قضية جوهرية وإعطاؤها معنى "معركة كرامة" أو معنى الاستخفاف بالحزب أو عدم الجدية في نية التحالف أو غيرها. مع كل هذا لا يمكن رفع قيمة هذا الخلاف الشكلي فوق القضية الأساسية التي هي: وزن القوى العربية والتقدمية في الكنيست أمام وزن اليمين الصهيوني. أي وزن يوجد لهذه القضية الشكلية أمام ضرورة النضال المشترك ضد البطالة وضد خطر آلاف البيوت غير المرخصة وضد العنصرية المنفلتة كما رأيناها في عكا وضد استمرار تجويع شعبنا في غزة وبقية الأراضي المحتلة وغيرها وغيرها من القضايا. حين توضع القضية الأساسية فوق أي اعتبار يصبح ممكنا تجاوز الخلاف الشكلي بعدة طرق: كان من الممكن للتجمع أن يقرر تركيبته كما يشاء بدل فرض تركيبة معينة على وفد الجبهة، كما كان من الممكن للجبهة أن تستجيب لطلب التجمع بترتيب حضور عضو الكنيست محمد بركة في الاجتماع أو في اجتماع بديل. كما أنه ما زال المجال مفتوحا أمام طرف ثالث أن يدعو جميع الأطراف من جديد للبدء بالحوار الجاد. أعتقد أن هنالك ضرورة لمن هو واقع في خضم الحدث أن يسمع صوتا آخر يأتي من بُعد ليذكر كل الأطراف بما دأبوا بأنفسهم طوال هذه المدة على العمل من أجله. ربما يعتقد البعض أن الدفاع عن كرامة الحزب وموقعه تتطلب عدم التنازل بل فرض التنازل على الحزب الآخر. بعكس "معركة الكرامة" هذه، أعتقد بأن كل طرف يغلـّب الجوهري على الشكلي ويزيح كل العثرات التي تعترض هذا الطريق يسجل لنفسه رصيدا كبيرا من الكرامة والنضج السياسي. هذا هو محك القيادة الوطنية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

بيان أوروبي وسطي وشاحب

featured

محرقة الناجين من المحرقة

featured

ألسلام أمانة في أعناقكم

featured

علامات الشيخوخة الخفية..!

featured

شريعة المافيا والاجرام المنظم!

featured

أعيدوا عظامي لأم الزينات

featured

مروان البرغوثي: حكاية مناضل لا يُكسر... ولا يُعصر!

featured

إنفضاح اكذوبة الجيش الاسرائيلي الاخلاقي مجددا