"الجديد" والأدب في المهجر

single

أقرأ بشغف ومتعة وحزن منذ عامين تقريبًا مجلّة "الجديد" الثّقافيّة الشّهريّة الرّاقيّة التي تصدر في لندن لمؤسّسها وناشرها الكاتب العراقيّ المقيم في لندن هيثم الزّبيديّ والتي يرأس تحريرها الصّديق الكاتب والشّاعر المبدع السّوريّ نوري الجرّاح المقيم في لندن أيضًا، وأتوقع أن تكون هذه المجلّة الهامّة مصدرًا أساسيًّا ومنبعًا ثريًّا لدارسي الأدب العربيّ المهجريّ الجديد مثلما هي الآن بيت دافئ للمبدعين العرب في الدّول الأوروبّيّة والأمريكيّة ومنبرٌ حرٌّ وجريء للمبدعين العرب في أقطارهم الآسيويّة والإفريقيّة.
حمل الإنسان العربيّ همومه على كتفيه المتعبتين وفي قلبه الدّاميّ وغادر وطنه مرغمًا تاركًا بيته وطفولته وأحلامه وذكرياته وجيرانه وأزهاره ونباتاته باحثًا عن الحرّيّة والأمن الشّخصيّ ولقمة العيش الكريمة في الدّول الأوروبّيّة والأمريكيّة.
وخسر الجمل العربيّ الصّبور عبوديّته وسياط جلّاده وهرب من كوابيسه ومن المسلخ ومن سكاكين الجزّار... وربح حرّيّته وأبكته غربته.
  يكتب نوري الجرّاح "الحياة الحرّة أقوي من كلّ الأفكار، أعمق من كلّ ما نفكّر به بينما نحن نعبر مفردين في الجموع، بينما نحن نعبر ويهيّأ لنا واهمين أنّنا بتنا أنفسنا. ذلك يحدث بفعل تلقين لئيم يحتم علينا أنّ نكون أسوياء مندرجين في السّويّة الاجتماعيّة وقد خسرنا أغلى ما نملك من انواتنا العميقة، سجيّتنا الخالصة صاحبة الأنا الحرّة، ذلك هو الخضوع، نخضع لهذا التّقليد ونخضع لتلك الفكرة ونصبح عبيدًا في هيئة أحرار".
  كانت "الجديد" منذ عددها الأوّل وما زالت سبّاقة في نشرها لملفّات أدبيّة وفكريّة وفنّيّة عميقة وشاملة أغنت الحياة الثّقافيّة العربيّة مثلما كانت رائدة في نشرها شهادات لمبدعات ومبدعين عرب من شتّى الأقطار العربيّة وفي تقديمها لقرّائها حوارات مع مفكّرين وفنّانين ومبدعين دلّت على قيمة وثقافة المحاوِر والمحاوَر.
أشعر بمتعة فكريّة كبيرة وبمتعة فنّيّة سامية وأنا أقرأ مواد هذه المجلّة من مقالات وقصص وأشعار وحوارات وشهادات إلّا أنّ حزنًا يظلّلني وأنا أقرأ هذا الأدب العربيّ المهجريّ الجديد الذي يبدعه روائيّون وقصّاصون وشعراء ونقّاد وباحثون من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين ومصر والسّعوديّة واليمن والسّودان وليبيا وتونس والمغرب والجزائر يعيشون في الدّول الأوروبيّة الشّرقيّة والغربيّة وفي الدّول الأمريكيّة الشّماليّة والجنوبيّة.
هاجر بعض هؤلاء المبدعين إلى الغرب وهم كتّاب كبار وشعراء بارزون مثل أدونيس وسعدي يوسف وزكريا تامر وصبحي حديديّ وخلدون الشّمعة وفاضل العزّاويّ ونوري الجرّاح وآخرين وظهر عشرات وربّما مئات المبدعين العرب الجدد في هذه الدّول، كما أنّ هناك مبدعين يكتبون باللغة الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة والإسبانيّة وظهرت لهم أعمال روائيّة وشعريّة كبيرة وهامّة.
صدرت في السّنوات الأخيرة روايات هامّة ومجموعات قصصيّة وشعريّة رائعة لمبدعين عرب يعيشون في المهجر تصوّرهموم الإنسان العربيّ وما يعانيه الوطن العربيّ الذي يعيش رهينة بين براثن الطّغاة والمتخلّفين وسوف يكون لهذا الأدب تأثير خلّاق على الأدب العربيّ ومسيرته.


قد يهمّكم أيضا..
featured

قراءة سياسية ليوم الغضب الفلسطيني

featured

إكراه ديني في المستشفيات

featured

قرار اليونسكو الخليلي

featured

سرطان القولون والمستقيم (2)

featured

"سلام" بدون "لا"...

featured

النضال ضد فكي كماشة يطبقان على البلاد: العنصرية وأباطرة المال

featured

هوَجٌ يخدم الصهيونية

featured

القدس قضية سيادة