القفز إلى قمة القفة

single
قامت الشرطة، هذا الأسبوع، بهدم بيوت العراقيب في النقب للمرة الثامنة والعشرين. وجديد هذه المرة أن الأهالي مطالبون بدفع غرامة بقيمة 1،8 مليون شيكل وهي تكاليف الهدم. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن صدام حسين، رائد القومية العربية الزائفة، كان بعد أن يقتل السجين السياسي يرسل فاتورة بثمن الرصاصة لأهله.
وفي بلادنا، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كان أطفال يشكلون دوريات مراقبة، تحسبًا من قيام موظفي "التنظيم" بمداهمة بيوت في طور البناء. وكان البناء آنذاك يشتد زخمًا يوم السبت، فمن جهة كان السبت هو يوم العطلة فيندفع الناس لمؤازرة بعضهم البعض. ومن جهة أخرى ففي يوم السبت يرتاح موظفو التنظيم فيريحون العرب من هاجس المداهمة. كانت لجان التنظيم والبناء تحمل اسمًا رهيبًا، فقد فرضت هذه اللجان الحصار على العرب، وكان بناء غرفة واحدة بمثابة إعلان تمرد على الدولة.
اعتبر العرب بناء البيت أهم فعل حياتي لضمان بقائهم في الأرض، وترسخت في أذهان الناس عمليات البناء هذه كمأثرة مجيدة في مسيرة الصمود. وفي المقابل فإن عمليات الهدم البشعة ترسخت في أذهانهم كفصل مظلم بمفهوميه المادي والعاطفي. 
 جاءت المقدمة أعلاه للرد على التساؤل الذي يشمل الكثيرين عن سبب إحجام العرب عن المشاركة في "معركة المخيمات"  الضاربة أطنابها في البلاد. من يتوقع من العربي أن يطالب الحكومة بتوفير المسكن له، بعد أن كان  وما زال عرضة لهدم بيته، يصح عليه المثل العربي القائل: "من قاع القفة لذينيها". فلسان حال العرب يقول للسلطة: "كفّوا شركم عنا وما حدا قدنا".
أما الجانب الآخر لتفسير إحجام العرب عن المشاركة، فهو أنه قد نما  لدى العربي الشعور، وليس في قضية السكن وحدها،  أن هذه الدولة هي لليهود، وأنه بمثابة ابن غير شرعي فيها. وفي هذه الإطار، يؤخذ عليه أحيًانًا، ومن قبل أوساط قومجية لدى مطالبته بحقوقه المدنية وكأنه انخرط في مسار الأسرلة. ولم يدر أصحاب توجه الأسرلة هذا، وربما هم يدرون، أن المؤسسة الحاكمة يطيب لها تنامي هذا الشعور عند العرب. وهكذا تضافرت قوى متناقضة على العرب، السلطة التي لا تريد أن "تعطي"، مع أولئك الذين ينهون عن "الأخذ" بصفة ذلك أمرًا مشبوهًا.
وهكذا، بعد سن الخمسين، يجد العربي نفسه، ومن جديد، في معركة قديمة جديدة لضمان البيت لأبنائه. لا يكفي أنه قضاها بالطول وبالعرض من أجل ضمان المأوى والسكن له ولعائلته، فيبدأ بفصل جديد، ولدى كثيرين تستمر هذه الجهود المضنية  طويلًا لتوغل عميقًا في أيامه التي لم يتبق الكثير منها.
لا يعرف العرب في هذه الدولة كم هو مميز ضدهم. وربما هذا التحرك غير المسبوق في الشارع اليهودي هو مناسبة ذهبية لاستيضاح حقوقنا، وللمطالبة بكل قوة بحقوقنا المدنية باعتبار ذلك جزء من مواطنتنا وجزء من معركتنا الوطنية في بلادنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

يجب الانتقال حالا من مقولة ان 99% من الاوراق في يد امريكا، الى ان 100% من الاوراق في يد الشعوب

featured

الانتصار الأكيد لشعب فلسطين

featured

مسيرة ألإستفزاز لليمين ألمتطرف

featured

يوم كفاحي أولاً وأخيرًا

featured

جذر يتعمق وفرع يسمو

featured

الوقوف مع انتفاضة الأسـرى

featured

النضال ضد فكي كماشة يطبقان على البلاد: العنصرية وأباطرة المال

featured

تفرض "ما يحق لها" ولا يحق لغيرها