في زاوية صباح "الخير"، حول 11 ايلول/سبتمبر، يكتب د. حسن مدن عن "الحداثة" وموتها وموت ما بعد الحداثة. وبما أن الحديث يدور عن فلسفة برجوازية، سيسعد الماركسي السطحي بذلك. الموضوع هام وضروري، وأشكر السيد حسن على طرحه.
المطلوب، سيد مدن، ليس الحديث عن الجوانب السلبية فقط للفكر البرجوازي بالمسبة التي ينطبق عليها "أشبعتهم سبا وأودوا بالإبل". لا بد أن نرى الجانب الفكري والرؤية الإيجابية في "الحداثة" من ناحية اهتمامها بالعلوم الطبيعية ومحاولة نقل الفكر العلمي هذا على العلوم الاجتماعية والاقتصادية والانتروبولوجية والتكنولوجية وغيرها. تراكم التجارب والإبداعات العلمية والفكرية هي التي أوصلت ماركس لما أبدعه نظريا. ثم إن هذا الفكر وإشعاعاته هي المسئولة عن النهضة الأدبية والفنية الرومانسية بما فيها رومانسية كثير من الثوار الماركسيين، والنهضة القومية لدى الشعوب المستضعفة. هذا مع تفضيلي للأدب الواقعي الثوري الذي يتضمن الرومانسية ويتعداها، لكن لا يعلن موتها بل يترك لها حيزا للتجدد والحياة، بحواره وتضمينه لها، خاصة بالشعر.
أما الحديث بجرة قلم وبهذه السطحية عن موت "ما بعد الحداثة"، فهذا لا يعتبر محاولة جدية، خاصة وأن المفكرين الماركسيين الاشتراكيين والشيوعيين لهم باع طويلة في هذا المجال، مع أني أؤيد تناولهم حتى هم-مفكرينا الماركسيين- بطريقة نقدية علمية موضوعية ملتزمة وهادفة- الشيء الذي ليس ضمن اختصاصات الدكتور ولا ضمن اطلاعه، كما يظهر.
بالطبع، لا أتهم الدكتور بالاستخفاف بالقراء، لأنه "جل من لا يسهو"، ومن لا يعمل لا يخطئ، ويكفي أنه امتلك الجرأة لمجرد طرح أفكار ومواضيع جديدة.
فإذا كانت الحداثة تتسم بالرومانسية والثورة العلمية الطبيعية، فإن ما بعد الحداثة يتسم ليس فقط بالثورة الرقمية التي توجت معالجة الحوسبة للعلوم الطبيعية، بل إن ما بعد الحداثة تتسم بالحوسبة التي وظفت الثورة العلمية الهائلة والتي أذهلت وصدمت من كانوا يعولون على ثورة جديدة كبرى في العلوم الطبيعية، ليجدوا الثورة الكبرى في علوم اللغة النفسية، الاجتماعية والفلسفية، من خلال برمجتها وحوسبتها. وفي هذا المجال يعتبر الماركسيون مبدعين وطليعيين ومثالهم المفكر اللغوي الكبير المعادي للصهيونية تشومسكي!
البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي لم تجد الطريق لشعار الحوسبة من أجل محاربة البيروقراطية ومن أجل "أكثر سلطة للعمال" وأقل سلطة للبيروقراطية الحزبية وغيرها، ليكون الحزب أكثر طليعيا وبعيدا عن الفساد والإفساد. ومقولة لينين للاستفادة من محاربة الرأسمالية للبيروقراطية من أجل الربح، وتوظيف ذلك اشتراكيا، معروفة وموثقة في "المختارات". كانت الأذن البيروقراطية التهميشية، ضد اللينينية وضد هذه المقولة، بالمرصاد، حتى فتكوا بالاشتراكية. وهكذا حققوا مقولة لينين في هذا السياق بأن الاشتراكية في روسيا لن تنهار من عدو خارجي؛ بل من البيروقراطية الداخلية، إذا لم يتم النهج اللينيني المعروف "لأكثر ما يمكن من السلطة للعمال والفلاحين" وأقلها بيروقراطيا للحزبيين، وأكثرها طليعيا للشيوعيين عدديا لكن نوعيا- الأهم. لا، لم تنهر اللينينية، بل انهارت الانحرافات عنها، لأنها هي الماركسية المعاصرة، نظريا وتنظيميا وتطبيقيا، والانهيار يثبت مصداقيتها هي قبل كل شيء. ارفعوا رؤوسكم وهبوا لتنظيم الناس أيها اللينينيون غير الخجولين!
نريد أن تكون الفترة الجديدة موظفة ل"ما بعد الحداثة" من أجل العدالة والتقدم والاشتراكية. نحن أحق بالاستفادة منها، ولا يجب أن نعلن موتها لنتركها سائبة فوضى للرأسماليين!
وليكن كل يوم فجرنا جديدا!
