ضرب الارهاب بيروت أمس مجددًا، بعد ثلاثة ايام على اعلان تشكيل حكومة موحدة تضم معظم الأطياف السياسية في لبنان. وجاء هذا العدوان بواسطة هجوم انتحاري مزدوج في الضاحية الجنوبية للعاصمة، المعروفة كمعقل لحزب الله، وعلى مقربة من ممثلية دبلوماسية ثقافية ايرانية. وسارعت مجموعة "عبد الله عزام" التكفيرية المرتبطة بالقاعدة الى اعلان مسؤوليتها عن الجريمة.
توقيت الهجوم واضح، وهو لا يستهدف "معاقبة حزب الله على تدخله في سوريا" كما زعم الارهابيون أمس، وتردد صدى زعمهم في محافل ومنابر اعلامية "أمريكية الهوى!"، بل المستهدف هو التحرك السياسي الأخير الذي يؤمَل أن يخفف من منسوب الاحتقان الذي يخنق أجواء لبنان. فمحرّكو هذا الارهاب أو الذين تتقاطع مصالحهم معه، لا يخيفهم شيء أكثر من بداية تخفيف للتوتّر في لبنان، واتجاه نحو استقرار أكبر فيه. لأن ما يُراد للبنان هو أن يكون بمثابة أوكار ومحطات انطلاق للارهاب كي يواصل القتل والتدمير لدى الجارة، سوريا، لخدمة مشروع التفتيت الأكبر.
هذه الجريمة المزدوجة على الارض اللبنانية لها أهداف تدميرية في لبنان ولكن عين مخططيها ومحرّكيهم تنظر الى ما هو أبعد. هؤلاء يسعون الى اغتيال كل بارقة أمل واحتمال لخفض اللهيب في الشام وقطع الطريق على أية تسوية سياسية تحفظ هذا البلد العربي المركزي. الهدف هو إسقاط سوريا الدولة وتحييدها كقوة، وهو حلقة في مسلسل تفتيت كل القوى في المنطقة التي لا ترقص وفقًا لمزمار راعي البقر الأمريكي ومن يخدمه في حظيرته من حكام في تل أبيب والخليج وانقرة.
لقد تأتأ زعماء لبنانيون كثيرون من الفريق الذي اعتاد ان يتذلل عند السيد الأمريكي ووكلائه العرب، واستخدموا حتى الأمس نفس الذريعة اللئيمة التي استخدمها الارهابيون "تواجد حزب الله في سوريا"، وبهذا كانوا يساهمون في تبرير جرائم الارهاب. ومثلما حذّرهم العقلاء ووأقوياء الارادة والعزيمة، فإن نار الارهاب هذه تقترب منهم الآن! فهل يعتبر من ظل يتواطأ أو يُخطئ أو يجبن حتى قبل أيام قليلة؟!
إن كل يوم يمضي يوضح لمن لا تشوب بصيرته شائبة ولا تتقاطع مصالحه السياسية والشخصية مع قاذورات البترودولار، بأن الطريق لوقف القتل والدمار في كل المنطقة يكون بمواجهة هذا الارهاب التكفيري ومموليه ومسلحيه – ومقاومة كل المحور السياسي خلفه، الذي إن لم يكن يحركه مباشرة فإنه "يستثمر" فيه لمضاعفة أرباحه المختلفة، على دم السوريين واللبنانيين والعراقيين! هؤلاء هم المجرمون وكل صامت أيضًا هو مجرم.