لم يرد بخاطري ابدا ان اسجل ما اكتبه, ليس ترفا ولا لان الحادثة لم تستحوذ على تفكيري ولا لانني نسيتها ابدا؛ لقد اثرت على تفكيري الساذج بشكل كبير وراودتني كثيرا وحدثت الكثيرين من معارفي بها وما فقهت مدى تأثري بها .ولكن شيئا ما حدث عندما قرأت ما كتب سليم البيك في جريدة القدس الالكترونية تحت عنوان " كلما انتصف أيار".
صدقت استاذ سليم البيك حين قلت ان النكبة التي اخرجت جدك من ترشيحا وبسببها تعيش حالة لجوء واغتراب لا ارادي اينما حللت انت وستة ملايين لاجئ فلسطيني مستمرة ما دام هذا الحال قائما ودوافعه ومسبباته قائمة هناك قصص وقصص تحكى لابقاء الحدث مسجل في الذاكرة الجماعية لنا نحن الفلسطينيون اينما كنا ولهذا اسجل حادثة لي لتضاف الى سجل قصصنا الاخرى
كانت الفتاة تجلس مع شاب يلعبان الورق في ليلة شتوية غير ماطرة في فندق في عمان حيث الناس هناك , وخاصة في ليالي رمضان وبعد الافطار, يخرجون لقضاء اوقاتهم في سهرات اجتماعية فنية ,لاجلها يومها سافرت في زيارة الى عمان لاعيش التجربة معهم, لكم عشقتها واستهويتها .
جلست زوجي وانا على مقربة منهم لنستمع الى ذاك الفنان العراقي المهجر من بلده لاسباب الحرب والاحتلال هجرة قسرية هو الاخر, يعيش ويعمل في عمان يغني بصوت حميمي فيه من الشوق والحنين نغمات تخترق آذان وقلوب الحاضرين.
ولاننا اردنا ان نشارك في المشهد العام وان نكون جزء من الجمع حولنا بدأنا كباقي الساهرين
نلعب الورق زوجي وانا, وبعد خسارة شوط او أكثر توجهت الي هذه الفتاة وسألتني ان كنا نرغب بمشاركتهما اللعب مرابعة , ربما لتغيير الحظ او بدافع حب الاستطلاع, استجبنا لطلبها وبدأت سهرتنا معهما.... ولن انساها.
كم كان سؤالي ساذجا, غبيا وسطحيا حينها عندما كنا في حديث تعارفي نحن اربعة فلسطينيين الملتقين مصادفة على طاولة في فندق اردني وكل منا مع قصته الذاتية.
كانا الفتاة والشاب فلسطينيا الاصل من منطقة القدس , حيث رحلت عائلاتهما مع من رحلوا وولدا هما في الكويت وبعد احتلال العراق للكويت رحلوا كباقي الفلسطينيين بعد طردهم من الكويت ليستقروا في عمان حيث كبرا ويعملان الان بعد ان انهيا تعليمهما الجامعي.
تحدثنا في الكثير من الامور التعارفية الشخصية , ومن جملة الحديث قالت الفتاة انها تنتظر انتهاء الاجراءات والمعاملات لتنتقل الى فرع في بيروت للعمل هناك ضمن وظيفتها الحالية في البنك.
قالتها بشكل تلقائي طبيعي دون تردد وانا الفلسطينية الاتية من الناصرة , حيث الناس الباقين هناك الصامدين ولم يهاجروا رغم صعوبة الحياة يستصعبون الانتقال من بلد الى اخر للعيش , فكم بالحري الى دولة اخرى, استغربت بسذاجتي وعفويتي المطلقة حديثها عن الانتقال الى دولة اخرى وترك عائلتها بهذه البساطة فسألتها حينها:- وهل هذا بالامر السهل عليك ترك بلدك لتعيشي ببلد اخر غريب الا تخشين الغربة؟؟؟ وجاء ردها كالصفعة على وجهي:
انا يا صديقتي منذ ان رحلت عائلتي عن وطنها عنوة وقسرا وأنا الجيل الثاني أعيش حالة غربة دائمة اينما حللت فسيان عندي الكويت وعمان وبيروت ما دمت بعيدة وغير قادرة على العودة الى القدس.
وبقي ردها يرن في اذني حتى اليوم .
ما دمت قد رُحِّلت عن وطني قسرا, فكل الاوطان التي تطأها قدماي سيان....
لها شكل وطعم ولون الغربة.
