مقدمة :
لا شك أن الأنظمة العربية بمجملها هي أنظمة غير متطورة ، متأخرة جدا عن أنظمة الحكم في معظم أرجاء العالم ، ولا شك أنها بالمجمل ظالمة لشعوبها بالأساس، والتحرك الجماهيري بهذا الزخم في العالم العربي له ما يبرره اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا .
لكن من الجهة الثانية يجب علينا رؤية العالم أثناء هذا التحرك المبارك في مجمله ، يجب رؤية الدول الإمبريالية وما تحيكه من أجل المحافظة على مصالحها الاقتصادية وخاصة النفطية في العالم العربي، فليس كل ما يلمع ذهبا كما يقول المثل العربي، وليست كل هذه الضجة الإعلامية من أجل عيون الديمقراطية التي أصبحت نوعا من الدين، " تبشيرية "، في حين تعاني من نواقص في عقر دار من يتبجحون بها . وكذلك فان هذه الديمقراطية، تكيل بمكيالين في بلاد العرب نفسها ، مع ذلك سأحاول التركيز على القضية الأساس التي من أجلها تنشط الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية الاستعمارية في المنطقة ، وهو النفط ودوره في تنشيط اللعاب الإمبريالي على منطقتنا .
أصل النفط واستخراجه :
قبل أن نناقش القضية السياسية المرتبطة بالنفط، لعله من المفيد التعرف على أصل النفط واستخراجه. يقول د. لطيف حميد والدكتور عماد عبد القادر في كتابهما (النفط، المنشأ والتركيب والتكنولوجيا) : " للنفط عدة تعاريف (petroleum ) ، ولكننا نستطيع تعريفه بأنه مزيج من المواد الهيدروكربونية أو من مشتقات هذه المواد الغازية والسائلة والصلبة والتي تتكون في الأرض بصورة طبيعية " (1).
أما مكان وجود ه فهو في " باطن القشرة الأرضية حيث ينتشر ضمن مجاميع طبيعية أو طبقات (strata ) تترتب حسب عصور التكوين القديمة التي مرت عليها . ويمكن التعرف على هذه الطبقات المختلفة وتمييزها بواسطة المخلفات العضوية كالمتحجرات ( fossils ) والمعادن وما شاكلها " ( 2) .
ويصنّع من النفط، كما هو معلوم، العديد من المواد الإستهلاكية والتي نستعملها يوميا مثل الشمع على أنواعه ( wax )، والإسفلت ( asphalt ) على أنواعه ، القير والزفت ، البنزين والسولر على أنواعها ، الزيوت، الراتنجات على أنواعها ، ويستعمل النفط اليوم في الكثير من مجالات الطب ومختلف الصناعات .
لذلك لا تخفى الأهمية المتعاظمة لدور النفط في توجيه مقدرات المنطقة العربية وتكالب السياسات الدولية عليها على المدى القريب والبعيد، والهادفة أساسا للسيطرة على الثروة النفطية التي وجدت في المنطقة العربية بشكل خاص .
مع كل المحاولات للبحث عن بدائل للنفط ، إلا أن معظم الدلائل تشير " إلى أن مصادر الطاقة البديلة لن تزود إلا جزءا يسيرا من احتياجات العالم للطاقة " (3)في القرن الحادي والعشرين ولذلك سيبقى النفط المصدر الأساسي للطاقة ، مع انه من المهم إيجاد بدائل وهذا من المفروض ألا يضر العالم العربي أو الدول المنتجة للنفط على اختلافها ، خاصة في مجال المحروقات وذلك بهدف استثمار النفط في مجالات الصناعات الكيميائية والدوائية والغذائية ، وعدم هدر الجزء الأعظم منه في المحروقات كما هو الحال اليوم .
دور النفط الحاسم بعد الفحم الحجري :
لعب النفط دورا حاسما في تطور التكنولوجيا بالشكل المعروف لنا، وخاصة منذ بداية القرن العشرين، بعد أن بدأ التحول من استعمال الفحم الحجري الصلب، مصدرا أساسيا للطاقة إلى النفط السائل ومشتقاته المختلفة .
في المنطقة العربية اكتشف النفط بشكل كثيف ولافت للنظر في منطقة الخليج جميعها ( إيران ، السعودية ، العراق ، الكويت ، إتحاد الإمارات العربية ، قطر ، عُمان ) ، وكذلك في ليبيا ، ويعتبر النفط الليبي حسب تقارير وكالات الأنباء العالمية والأبحاث المختلفة من أجود أنواع النفط العالمي .
أهمية جديدة للمنطقة العربية :
كانت المنطقة العربية، وما أطلق عليه الاستعمار البريطاني الشرق الأدنى والأوسط، منطقة مهمة من ناحية المناخ وكذلك كونها ممرا للدول الاستعمارية الأوروبية إلى منطقة الشرق الأقصى . لذلك عملت هذه الدول للسيطرة على المنطقة العربية تحت شتى المسميات، الحماية، الحروب الصليبية الدينية وبدعوى الحفاظ على الأماكن المقدسة وغيرها .
بعد اكتشاف النفط في المنطقة، أصبحت قضية السيطرة على المنطقة قضية أساسية في السياسات الغربية الاستعمارية ولذلك جرت محاولات السيطرة بأساليب مختلفة مثل الاستعمار المباشر ( بريطانيا ، إيطاليا ، فرنسا ) ، أو الانتداب واستغلال القوة والتأثير في الأمم المتحدة للسيطرة تحت شعار " الانتداب " ، العدوان المباشر ، العدوان الثلاثي على مصر ( 1956م) ، والأحلاف العسكرية مثل محاولة إقامة حلف بغداد ، والاتفاقيات للحماية والسيطرة مثل الشركات والدول التي وقعت اتفاقيات حماية مع الامارات العربية ومع الدول الإمبريالية وشركاتها .
عملت الدول الاستعمارية ومازالت تعمل لعدم الاستقرار في منطقة "الشرق الأوسط"، في الوطن العربي ، وذلك من خلال تشجيع كل عدم استقرار في المنطقة وتجييره لها . فأصبح معروفا دور المخابرات الغربية بالاعتماد على عنجهية وغباء الحكام في تأليب العراق وإيران على بعضها البعض ، وأصبح معروفا للملأ دور المخابرات الأمريكية في دفع صدام حسين لاحتلال الكويت ، ثم التنادي لانقاذ الكويت من براثن صدام ، وفي كل هذا اعتمدت وتعتمد على وجود طغاة في العالم العربي وفي غياب الديمقراطية الحقيقية في العالم العربي كما يحدث الآن في ليبيا ، وكل الدلائل أن حلف الناتو له برنامجه الخاص ، وليس ما تقرره حتى الأمم المتحدة في هجومه على ليبيا .
اعتمدت وتعتمد الإمبريالية الأمريكية والغربية الإستعمارية على محاور متعددة منها سياسة فرق تسد المعروفة ، تشجيع النعرة الإقليمية ، والقومية الشوفينية ، تشجيع النعرات المذهبية ، وعندما كان الإتحاد السوفييتي قائما شجعت ما سمته مقاومة الإلحاد ومقاومة الشيوعية وأنشأت منظمات دينية إرهابية إنقلبت عليها فيما بعد كما هو معروف ، وخاصة في أفغانستان وباكستان وفلسطين بهدف محاربة الإتحاد السوفييتي ( سابقا) كونيا ، ومحاربة القوى الديمقراطية والعقلانية الملتحمة بشعوبها وبقضاياها الحقيقية ،في العالم العربي والعالم الإسلامي خاصة ، لتحقيق أهدافها آنفة الذكر .
حكام إسرائيل كعرّابين :
عمل حكام إسرائيل، خلال هذه الحقب التاريخية، عرابين للاستعمار والامبريالية ومنفذين لأهدافها في المنطقة ، ورفضوا ومازالوا يرفضون النداء العقلاني والصحيح الذي وجهه العقلاء لهم أن " مع الشعوب العربية وضد الاستعمار والرجعية " ، وقفوا ضد كل وحدة للشعوب العربية ، ضد ثورة 23 يوليو 1952م ، ومع حلف بغداد ، ضد الوحدة الفلسطينية الأخيرة التي يعتبر نجاحها أمل كل فلسطيني وكل عاقل في العالم يرغب في السلام . وقد عبر عن الموقف التاريخي لهذا الغباء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عندما قال : " إما نحن أو حماس " موجها كلامه لأبي مازن ، محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية .
وبدلا من أن يستمع حكام إسرائيل لأصوات العقل والمنطق التي تصدر في إسرائيل أيضا ، والتي ترى في مجملها مستقبلها مع الشعوب العربية وليس مع الاستعمار والامبريالية ، فإن الحكومة بمجمل سلوكها مازالت في غيها خادمة طيعة للامبريالية العالمية وأحيانا تبدو أكثر تطرفا منها .
في نهاية المطاف الذهب الأسود أساس :
قلت في البداية ليس كل ما يلمع ذهبا، بل البحث عن الذهب الأسود واستغلال خيرات الشعوب العربية هو المحرك للدول الامبريالية والاستعمار الجديد ، ولذلك هناك عمل جاد لإجهاض الثورة المصرية الجديدة ، ولتحييد سوريا عن خطها المعادي للإستعمار وليس مساندة الشعب السوري ، والاستيلاء على النفط الليبي وإجهاض ثورة ديمقراطية ومطالب ديمقراطية عادلة بعد 42 عاما من حكم طغمة عائلية . وكان من المفروض أن يقرر الشعب الليبي نفسه مستقبله حسب قواه الداخلية وليس بتدخل إمبريالي مدعوم برجعية عربية تنشط منطقيا بشكل مكثف في المدة الأخيرة .
إشارات ومراجع :
1- د. لطيف حميد علي ود. عماد عبد القادر الديوني – النفط ،المنشأ والتركيب والتكنولوجيا ،ص9 ، إصدار وزارة التعليم العالي ، جامعة الموصل ، 1986 م ، العراق .
2- هناك ص9 .
3- هناك ص6.
( عرعرة – المثلث )
