الحزب الشيوعي اللبناني: استمرارية وتجديد من أجل التغيير (1)

single

*كلمة الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني د. خالد حدادة في افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب*

يرتدي المؤتمر الحادي عشر لحزبنا أهمية استثنائية. فهو يأتي في ظروف عالمية وعربية وداخلية لبنانية غاية في الأهمية والخطورة في آن معًا. مرحلة انتقالية خطيرة وطويلة على كل المستويات. وهو الى ذلك يأتي في ظل استمرار أزمته الخاصة بأحد جوانبها والمندمجة مع أزمة البلد في جانب آخر. والتحدي الأساسي أمام المؤتمر وأمام الشيوعيين، كان وسيبقى في الفترة اللاحقة. هو كيف سيواجه هذا الحزب، هذه الأزمات الخطيرة، كيف سيواجه المشروع الأميركي- الصهيوني، كيف سيواجه التحديات على المستوى العربي وعلى مستوى تواطؤ النظام العربي الرسمي بشكل خاص، مع المشروع الأميركي. كيف سيواجه النظام اللبناني المتواطئ بطبيعته مع المشاريع الخارجية والممارس لأقسى درجات القمع الداخلي، السياسي والاقتصادي- الاجتماعي كيف سيمارس الفساد في مواجهة المعمم في أجهزة الدولة ورأسها، كجزء من طبيعة النظام، كيف سيواجه التحدي الاسرائيلي المستمر، والارهاب على الحدود الشرقية، في غياب دولة مقاومة وفي انقسام قوى النظام نفسه حول الموقف من أعداء لبنان، العدو الصهيوني او الارهاب.
كيف سيواجه الحزب والشيوعيون، هذه التحديات الكبيرة، وما يستكملها من أوضاع حزبية داخلية، بما يساعد في إرساء استقلالية قراره المستند الى برنامجه الطبقي الجامع بين القضية الوطنية ومبادئ الصراع الطبقي التي يستمر الحزب معها ممثلًا للطبقة العاملة وللفئات الكادحة التي باتت تشمل كل الشعب اللبناني ما عدا فئة قليلة، يمثلها تحالف اهل النظام مع اصحاب الرأسمال المالي والريعي في البلاد.


//أزمتها الامبريالية المستعصية


أيتها الرفيقات والرفاق،
تشن الامبريالية اليوم ، بهدف الخروج من أزمتها المستعصية والمتفاقمة واستعادة سيطرتها الكاملة على العالم، ومنع القطب الجديد (دول البريكس) من الاستفادة من تلك الأزمة لمزاحمتها على مناطق النفوذ، حروبا عدوانية في كل الاتّجاهات، خاصة في أميركا اللاتينية وإفريقيا والشرقين الأوسط والأقصى. وقد تجلت خطورة هذه التطورات بصورة مباشرة في عالمنا العربيّ ، سواء من خلال العدوان على ليبيا، وتقسيم السودان والسعي لتفتيت لبنان وسوريا، وإنهاء القضية الفلسطينية بتحويل الكيان الصهيونيّ الى "دولة اليهود في العالم"، أم من خلال مواجهة الانتفاضات والثورات الشعبيّة ضد الأنظمة الديكتاتورية المرتبطة بها، كما جرى ويجري في مصر وتونس، مع السعي، في بعض الأحيان، الى تغيير بعض الأنظمة التي لم تعد مجدية لتنفيذ مخططاتها... كل ذلك تكريسا لمسار مشروع "الشرق الاوسط الجديد" المستند الى دور أساسيّ للسعودية والى ما يسمى بالنموذج التركي (حتى الباكستاني) الذي هو نموذج أنظمة هجينة قائمة على الجمع بين قوّتين: الجيش والقوى السياسيّة الدينيّة.
وتجدر الإشارة، في الوقت عينه، الى أن الانتفاضات والثورات الشعبيّة المستمرة، رغم محاولات القمع والتدجين التي تلجأ اليها القوى المضادة للثورة، بدأت تفرز قوى سياسيّة جديدة، نقيضة للقوى السياسيّة الدينيّة المدعومة امبرياليا، تحمل مضمونا طبقيّا واضحا يتجلى في الدور المتقدم للطبقة العاملة وللأحزاب الجذرية داخلها، كما يتجلّى في المشاريع التي تقدمها والمستندة، في آن معا، الى ضرورات التغيير الديمقراطيّ الجذري على الصعيد الداخليّ، من جهة، والى تطوير المواجهة مع المشاريع الامبرياليّة، السابقة والحالية، ومنها بالتحديد مشروع "الشرق الأوسط الجديد".
وفي السنة الماضية أخذت هذه المواجهات أبعادًا جديدة، من خلال نمو عامل الإرهاب الذي جاء بداية كجزء مكوّن من المشروع الامبرياليّ وكجزء من التعبئة الأصولية (التي تشكلها الأفكار الدينيّة الأصولية وبشكل خاص الوهابية السعودية)، وبدعم ماليّ مباشر من دول الخليج، ولوجستي وعسكري من تركيا والولايات المتحدة الأميركيّة ودول رأسمالية أخرى في أوروبا... علما أن الإرهاب، بأشكاله المختلفة، بدءا من الحركات الدينيّة القديمة العهد وصولا الى الحركة الصهيونيّة وإلى الحركات الإرهابيّة الحديثة، هو النتيجة الحتمية للأزمات الرأسماليّة، وإنْ تطوّرَ أحيانا ليشكل إطار نمو مستقل وخاص .
وفي التطورات المستجدة، تجدر الإشارة أيضًا إلى تطوّر المواجهة بين المحورين العالميّين، من مستوى الإمكان إلى الواقع، عبر الدخول العسكريّ الروسي ، في مواجهة التدخلات السابقة له من الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، الى تركيا والخليج الى العدوان السعودي المدعوم اميركيًا على اليمن وشعبها . وقد تحوّل هذا الدخول، وبغض النظر عن كونه بشكل أساسيّ دفاعا عن مصالح الاتّحاد الروسي ودول البريكس ، الى عامل جدّي أعاد رسم خطوط الصراع في المنطقة، وبالتحديد في سوريا والى حد كبير في العراق ، نظرًا لكون ايران لاعبًا أساسيًّا في مساحته .
والجديد الواعد على المستوى العربيّ هو الانتفاضة الشعبيّة الفلسطينية التي يعوّل عليها أن تعطي القضية الفلسطينية وموقعها على المستوى العربيّ أبعادًا جديدة. لذا أعلن حزبنا، مع بوادر هذه الانتفاضة، رهانه على دورها في تجديد مشروع المقاومة على المستويين الفلسطيني والعربيّ ، وعلى انبثاق قيادة فلسطينية ميدانية لهذه المقاومة، وعلى بعدها السياسيّ المتمثل باستعادة هوية القضية لتشمل فلسطين كل فلسطين .


//الانتفاضات الشعبية


لقد واكب الحزب، وم.س بشكل خاص، الانتفاضات الشعبيّة في العالم العربيّ منذ بداياتها . انطلاقا من وعيه ، لحقيقة ان تجاوز الأزمة البنيوية في لبنان لا يمكن ان يحصل إلا من خلال جوّ عربيّ تغييري وديمقراطيّ..
في إطار هذا الهم ، اي التكامل و التداخل في عملية التغيير العربيّة واللبنانيّة، ندعو إلى النظر الى نشاط الحزب في اللقاء اليساريّ العربيّ الذي تأسس قبل شهرين على انطلاقة الشرارة الأولى في تونس، انطلاقا من توقعنا لاحتمالات التغيير (بفعل نضوج ظروفه الموضوعيّة وكذلك ترصّد آلاف التحركات الجماهيريّة)؛ كما ندعو كذلك إلى النظر في رؤية الحزب للانتفاضات ومواقفه منها (خاصة في مصر وتونس).
فقد انطلق الحزب في تحديد موقفه، من اعتبار أن ما جرى ويجري في العالم العربيّ يشكّل سيرورة ثوريّة ، متجسدة بانتفاضات قامت كلها بوجه النظام الرسميّ العربيّ السائد. ولذلك فالمهمّ اولًا تحديد الحالة السائدة المطلوب تغييرها وبذلك نستطيع تحديد الاتّجاه العام لهذا التغيير. وهذه القراءة ليست جديدة، بل تضمنتها بيانات م.س منذ الانتفاضة التونسية، فضلا عن العديد من التقارير والتعاميم التي صدرت عن الحزب، أو تلك التي أعدّها الحزب لاجتماعات "اللقاء اليساريّ العربيّ" ... هذه النظرة لاقت معارضة ممن نظروا بسلبية الى الانتفاضات العربيّة، خاصة بعد ما جرى في سوريا، واعتبروها جزءًا من "سايكس – بيكو" الجديد ومن فعل المخابرات الأميركيّة ...
وقد انطلق موقفنا من تحديد طبيعة الأنظمة السائدة، التي تتحمل مسؤوليّة ضياع القضية الفلسطينية والسيادة الوطنيّة. تلك الأنظمة التابعة التي ربطت الاقتصاد الوطنيّ بالنيوليبرالية، واعتمدت بالتالي شروط المؤسسات النقدية الدولية، وتحول الحكام فيها عبر التحالف المثلث (السياسيّ - العسكريّ – الأمنيّ، والبرجوازي المحلي) الى وسطاء للاقتصاد العالميّ... بمن فيهم الأنظمة "القومية" التي كانت في قيادة حركة التحرّر وفقدت تدريجًا الفئات الاجتماعيّة التي أوصلتها الى السلطة، فاختفت "البرجوازية الوطنيّة" ليتحول قسم كبيرمنها من الاقتصاد المنتج الى الاقتصاد الافتراضي... ( واستطرادًا، وتبعًا لطرح البعض للجبهات الوطنيّة، لا بدَّ من التذكير بأن "البرجوازية الوطنيّة" أو ما سمّيت كذلك على المستوى الطبقيّ كانت عمادًا من أعمدة الجبهات الوطنيّة في العالم العربيّ ).
إن الحركات التي جرت في العالم العربيّ هي حركات تغيير لأنظمة مدانة، وتغيير لتحالف طبقيّ- سياسيّ وأمنيّ، همّش وأفقر وجوّع البشر، وتخلّى عن السيادة ورهَن المنطقة للخارج. إذن فالخلاص منه تقدُّم، والتغيير بهذا المعنى يشكّل عملا ثوريّا...
وهنا يطرح سؤال: بأي اتّجاه سيكون التغيير؟ وأي نظام سيكون البديل؟
الجواب عن مثل هذا السؤال هو أنّ ما جرى في العالم العربيّ حالة ثوريّة بامتياز؛ إنما ليس من الضروريّ أن تؤدي كل حالة ثوريّة حتمًا الى الثورة أو الى التغيير... وفي الرد على من يعيب على قيادة الحزب عدم توقّع الثورات، نعيده الى ما قاله لينين نفسه، بصفته منظّرا وقائدا لإحدى أكبر الثورات التي طبعت القرن العشرين بطابعها، بأن "لا أحد يستطيع توقُّع تاريخ الثورة، فلها تعقيداتها ومسارها الخاص"...


///هجمة مضادة


لقد حدد حزبنا أيضًا، بوضوح ، مكونات الهجمة المضادة، التي تقودها الولايات المتحدة وتشتمل على ما يسمى أنظمة الاعتدال الإقليمية وقوى وأحزاب الإسلام المعتدل الراعي لرأي "الإخوان المسلمون" وبعض القوى السلفية، وحددنا في ورقة الحزب المقدمة للكونفرانس، الخطة المضادة، بسلسلة من المحاور التي توقعناها (قبل حزيران 2011) وهي:
أولًا: في البلدان التي نجحت فيها الثورات في تحقيق مهمة إسقاط الرئيس . والعنصر الأساسيّ في هذه الهجمة هو منع استكمال أهداف الثورة، واحتواءها عبر العناصر التي تشكلها قوى الثورة المضادة (بقايا الأنظمة+ القوى الإسلاميّة..).
ثانيًا: تشديد عوامل التحرك في البلدان القليلة التي تتمتع بالمواصفات السياسيّة- الاجتماعيّة- الأمنيّة للنظم الديكتاتورية، ولكنها لم تكتسب صفة "الاعتدال" بمضمونها الأميركيّ (سوريا كنموذج وحيد).
ثالثًا: تحصين موقع الدولة الصهيونيّة وتعزيز التواجد العسكريّ المباشر للولايات المتحدة في دول الخليج. وضمن هذا الإطار قمع أية تحركات في إطار الخليج (البحرين والسعودية والكويت).
وفضحنا في هذه الفترة،الأهداف السياسيّة من إبراز القوى الإسلاميّة، وأعلنا عدم خوفنا من سيطرة الإسلاميين في مصر وتونس، وثقتنا بقدرة الجماهير التي انتفضت على إعادة تنظيم انتفاضتها في مواجهة تآمر الإخوان وعجزهم وعجز الحركات الإسلاميّة والدينيّة بشكل عام، على أن تقدم ممارسة ديمقراطيّة أو اقتصاديّة تلبي شروط العدالة الاجتماعيّة وتنمية وتوازن الاقتصاد الوطنيّ وبشكل خاص عجزها عن تلبية شروط السيادة الوطنيّة وعن حمل قضية فلسطين... توقعنا بالتالي المرحلة الثانية من الانتفاضة في تونس ومصر. ومع إعلاننا موقفا واضحًا مؤيدًا لطموحات المعارضة الديمقراطيّة السوريّة بدولة مدنيّة ديمقراطيّة، أعلن الحزب ومنذ نيسان 2011 موقفه المدين لممارسة الائتلاف السوريّ واتّجاهه التابع للخطة المضادة وكذلك اتّجاهه لعسكرة الانتفاضة. (يتبع غدًا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

في غرفة مغلقة بستائر سوداء مسدلة

featured

ليس كل عناق جميلا

featured

الكلمة القاتلة

featured

فى أصول الفوضى الراهنة

featured

بشّار الأسد: الحوار أساس الولاية الثالثة

featured

البطريرك في نجد... يا "نشيد الأنشاد"

featured

مجزرة شفاعمرو في القلب والذاكرة

featured

لسنا "وسطا بدويا"