آفي غباي، زعيم حزب "المعسكر الصهيوني" الذي يشكل حزب "العمل" معظمه الأكبر، يسجل تراجعًا إضافيًا عن التخلف السياسي القائم أصلا في هذا الحزب، من ناحية الدعم الذي يوفره لمشروع الاستيطان الكولونيالي. فهو لا يكتفي بطرح الحفاظ على ما يسمى "الكتل الاستيطانية"، أي كبريات المستوطنات التي تأتي بمعظمها لمحاصرة أي وجود فلسطيني سياسي سيادي في القدس على وجه الخصوص، بل يريد أيضًا الإبقاء على كل المستوطنات الموصوفة بـ "المعزولة".
يجدر التذكير طبعًا أن حزب "العمل" هذا هو "الرائد الطلائعي" لمشروع الاستيطان في المناطق الفلسطينية (والعربية عمومًا) التي احتلتها اسرائيل عام 1967؛ وكان السياسي الذي خرجت له سمعة كاذبة كـ"رجل سلام"، شمعون بيرس، نشطًا جدًا في التأسيس لجريمة الحرب هذه. بمعنى ان زعامة "العمل" الحالية، وليس "القادم الجديد" اليها غباي فقط، تسير على النهج العدواني بمنهجية دؤوبة لافتة...
غباي يعلن بوضوح عن اعتقاده بشرعية مشروع الاستيطان بناءً على رؤى غيبية دينية، فيقول مثلا إن كل البلاد ملك لليهود منذ أن تم تخصيصها لإبراهيم.. والسؤال هو: هل يقصد غباي هذه الخزعبلات فعلا ويؤمن بها، أم انه يستخدمها كديماغوغية لأغراض التسويق السياسي وجذب المتشددين الاسرائيليين؟! مهما كان الجواب فما يعلنه في الحالتين هو رفض الحق الجماعي الفلسطيني والإبقاء على ما يظنه "تفوّق" حق اليهود على فلسطين التاريخية كلها.. وهذا كلام عنصري صريح.
حين نصل الى التساؤل عن الفرق بين هكذا طرح وبين ما يقوله ويفعله زعماء المشروع الاستيطاني الفعليين المباشرين، فإن الأمر يحتاج الى مجهر عالي التقنية لتشخيص الفروق الجوهرية، إذا وجدت. وبهكذا طرح يصبح تصريح غباي الرافض للتحالف مع القائمة المشتركة مفهومًا جدًا. مع أن المسألة يجب ان تكون معكوسة: القائمة المشتركة هي التي ترفض أي تحالف حكومي طالما لم تكن بنوده السياسية واضحة تقر بالحقوق الشرعية الكاملة للشعب الفلسطيني، بما يشمل حقوق اللاجئين، وبالمساواة المدنية والقومية التامة لجميع المواطنين، وتعتمد قولا وفعلا العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروات العامة وعائداتها وفوائدها بالتساوي! حاليًا، يبدو وصول القائمة المشتركة الى المريخ أقصر من وصول حزب "العمل" الى مقدمات هذا الطرح السياسي!
