تلخيص الجزء الأول: الأحلام تحصل عدة مرات أثناء الليل حتى لو أن صاحبها لا يتذكرها. إنها معالجة ذهنية ونفسية ضرورية لبقائنا ولتوازننا النفسي، تتم بشكل رمزي ومجازي كما يعالج المبدعون القضايا الشخصية والحياتية من خلال لوحاتهم أو أشعارهم. تحليل رموز الأحلام، مثل تحليل الانتاج الأدبي للمبدعين، باستطاعته كشف مكنونات النفس العميقة والبعيدة عن وعي صاحبها بالتالي تأخذ صاحبها نحو حل لصراعاته النفسية ولمشاكله الحياتية والتخلص من الاعراض النفسية التي كان يعاني منها.
============================================
مضامين الحلم ليست مجرد ظهور عشوائي لأحداث الأمس أو لأناس التقيناهم. فكما أوضحت في الجزء الأول من المقال، فان مضامين الحلم الظاهرة وان بدت غريبة وغير مفهومة الا أن الشخوص والأحداث والأماكن فيها تكون بمثابة رموز تخفي بداخلها حقائق نفسية غائبة عن وعي صاحبها تتضمن رغبات ومشاعر يصعب على صاحبها الاعتراف بها، مثل المشاعر العدوانية تجاه من يحب أو مشاعر أخرى تقع ضمن الممنوعات الاجتماعية والأخلاقية.
تفسير الأحلام يتطلب تحليل رموزها
هناك حواجز، وإن كانت غير محكمة، تفصل بين ذاكرة الحلم وذاكرة الوعي لذلك يصعب عادة تذكر الأحلام رغم حدوثها كل ليلة. يمكن تذكر الأحلام عادة فورا عند الاستيقاظ من الحلم أما إذا لم يُعِر الشخص انتباها لمضمون الحلم فينساه فيما بعد ويعتقد خطأ بأنه لم يحلم. لذلك، على من يريد تحليل أحلامه أن يتذكرها فور استيقاظه وأن يدونها أو يسجلها بشكل صوتي. يصعب على الشخص تحليل أحلامه بنفسه لذلك يتطلب الأمر عرضها على محلل نفسي لتحليلها وتفسيرها والاستفادة منها لتوسيع وعي الشخص بنفسه. تحليل وتفسير الأحلام يمكن أن يجري بعدة طرق معظمها يتضمن فهم المعنى الشخصي لرموز الحلم أو استحضار تداعيات تلقائية وذكريات تتعلق بهذه الرموز. فمثلا إذا تضمن الحلم شخصية رجل يركب حصانا ويرتدي قبعة وسترة حمراء تحت المطر الغزير، يطلب المحلل من صاحب هذا الحلم شرح معنى الحصان ومعنى النهر بالنسبة له، واستحضار تداعيات وذكريات تتعلق بالحصان أو القبعة والسترة الحمراء أو النهر. في هذه المرحلة تضاف إلى رموز الحلم معاني وذكريات من حياة الشخص تساعد في فهم الحلم الذي بدا قبلها غير مفهوم. إنها عملية تحليلية وتركيبية، تشبه تركيب الصورة الواضحة من قطع البازيل التي تبدو غير مفهومة وهي متفرقة. من المهم الإشارة هنا بأن معنى الرموز في الحلم هي معان شخصية وليست عامة، فالحصان مثلا يمكن أن يرمز عند شخص للقوة والانطلاق والإقدام بينما يرمز عند شخص آخر للضعف والعجز والهروب، وهذا بعكس التفسيرات الرائجة في وسائل الإعلام وبواسطة المشعوذين والتي تعطي لرموز الحلم معنى عامًا واحدًا.
إعادة صياغة الحلم تؤثر في النفس
بالإضافة للاستعانة بالأحلام لفهم مكنونات النفس غير الواعية يمكن استخدام الأحلام لمعالجة أعماق النفس البعيدة عن الوعي وتغييرها حتى لو بقيت بعيدة عن الوعي. في إحدى الطرق المنتهجة في العلاج خاصة مع الأطفال، يطلب من صاحب الحلم اعتبار الحلم فيلما سينمائيا واعتبار نفسه مؤلف سيناريو لهذا الفيلم وبالتالي باستطاعته تغيير هذا السيناريو من سيناريو حلم مزعج إلى سيناريو حلم مريح أو مفرح. خلال هذه العملية الخيالية يقوم صاحب الحلم بنشاط نفسي ودماغي يشبه النشاط الذي جرى أثناء الحلم، مستخدما في الأساس النصف الأيمن للدماغ والمتخصص في المعالجة الرمزية والمجازية. بهذه الطريقة يتم عمليا التدخل بشكل غير مباشر بأعماق النفس لمعالجة مضامينها وترتيبها من جديد بشكل يستجلب الراحة النفسية. إضافة إلى ذلك ففي كثير من الأحيان تكشف مضامين الصياغة الجديدة للحلم الرغبات والأمنيات الحقيقية من جهة، والمخاوف من جهة أخرى التي كانت مختبئة في رموز الحلم.
لقد نشرت في إحدى المجلات العلمية Clinical Psychology Review سنة 1997 نموذجا نظريا يفسر بشكل علمي كيف يمكن لمثل هذا النشاط الخيالي والرمزي أن يؤثر على أعماق النفس. ملخص هذا النموذج النظري هو أن أي نشاط خيالي يتواصل بواسطة ثلاثة مسارات ثنائية الاتجاه مع النفس والجسد والعلاقات الاجتماعية. فإذا تخيلنا مثلا مشهدا حزينا نشعر بالفعل بالحزن وتذرف الدموع من عيوننا، وإذا تخيلنا مشهدا مخيفا نشعر بالخوف وتبدأ دقات القلب بالتسارع. كذلك حين نشعر بحالة جسدية معينة مثل وجع رأس أو بطن يرافق مثل هذا الوجعَ عادة صور ذهنية تعبر بشكل رمزي عن هذه التجربة الجسدية. هذه الظواهر تدل على أن بين الخيال والحالة الجسدية مسار تأثير متبادل وثنائي الاتجاهات: من الخيال للجسد وبالعكس. مثل هذا المسار موجود بين الخيال الرمزي وبين الحالة النفسية وكذلك بين الخيال الرمزي وبين علاقاتنا الاجتماعية. لذلك فحالات الاكتئاب النفسية وحالات الخلافات العائلية أو الاجتماعية يرافقها دائما صور ذهنية تعبر بشكل رمزي عن مثل هذه الحالات. مثلا يمكن أن يصور الإنسان المكتئب حاله كأنه في قبو مظلم. الرسام النرويجي مونش حين شعر بحالة رعب شديد أثناء وجوده بجانب أحد فيوردات النرويج عبر عن حاله بواسطة صورة شهيرة سميت صورة الصرخة. حين شعر هذا الرسام بالرعب أبدع هذه الصورة، وحين نرى نحن هذه الصورة نشعر بالرعب الذي شعره الرسام حين رسمها.
الجديد في النموذج النظري المذكور هو أنه يفسر كيف أن تغيير مضامين الخيال أو الأحلام يغير حتما وبشكل حقيقي الحالة النفسية والجسدية والاجتماعية لصاحبها. العلاقة والتأثير المتبادل بين الخيال والرموز من جهة وبين الحالة النفسية والجسدية والاجتماعية هي علاقة حقيقية تتم بفعل الموصلات العصبية والهرمونات والببتيدات التي تصل بين هذين العالمين.
الجهاز النفسي والدماغي الذي يربط بين تجاربنا النفسية والجسدية والاجتماعية وبين الصور الذهنية هو الجهاز ذاته الذي يربط بين هذه التجارب وبين أحلامنا. لذلك فتغيير الحلم، من حلم مزعج إلى حلم مريح، سيرافقه حتما تغيير حقيقي في التجربة النفسية والجسدية وبالتالي في علاقاتنا مع الآخرين حتى لو أن صاحبها لا يدرك كيف تم هذا التغيير.
هذه العملية ذاتها تجري عادة حين يقوم شخص بالتعبير عن معاناته من خلال الرسم أو من خلال عملية إبداعية أخرى ويقوم بتكرار إنتاجها وتعديلها بشكل تدريجي يرافقه تعديل حقيقي في التجربة النفسية والجسدية الحقيقية. على هذا الأساس نشأت مجموعة علاجات نفسية بواسطة استعمال الرسم والفن والأدب. في مثل هذه العلاجات يتم عمليا إعادة ترتيب المضامين القابعة في أعماق النفس بواسطة الجهاز النفسي-الدماغي الذي يربط بين هذه المضامين وبين النشاط الخيالي المعتمد على الرموز والمجاز.
لكي يستفيد القارئ من هذا النموذج النظري يمكنني أن أنصح من يرغب بمساعدة نفسه من خلال معالجة أحلامه، أن يرسم أحلامه ويغيرها بشكل إبداعي تاركا لخياله الحرية الكاملة للوصول إلى صور ذهنية جديدة. وإن لم يستطع الرسم فيمكن القيام بنفس العملية بواسطة الكتابة الإبداعية أو بواسطة الخيال فحسب. المهم أن تتم معالجة خيالية وإبداعية تخرج من قيود الواقع والمنطق وتغير مضامين الحلم ليصبح الحلم مريحا أو جميلا.
لقد كان أحد الفتيان البالغ 15 سنة يعاني من فزع شديد من مخلوقات غير بشرية تظهر في أحلامه، لدرجة أنه أصبح يخاف النوم في غرفته. تحليل رموز هذه الأحلام أيقظ ذكريات الطفولة التي تضمنت خوفا شديدا من تنكيل والديه وارتبطت بخوفه من تسلط الآخرين عليه وتنكيل بعض طلاب الصف له. بالإضافة إلى معالجة هذه المخاوف في المحادثات العلاجية التي مكنته من مواجهة ذكريات التنكيل وكذلك الطلاب المنكلين في صفه بطرق جديدة، طلبت منه معالجتها أيضا بشكل إبداعي لتكتمل المعالجة. لقد قام في البداية برسم هذه المخلوقات المخيفة ذات اللون الأسود والرمادي. بعدها وجهته ليرسمها بألوان أخرى ويتصرف بشكلها وحجمها لتصبح مخلوقات مضحكة. لقد كان هذا الفتى مبدعا بحق وقام بخلق شخصيات صغيرة تثير فعلا الضحك. في مرحلة أخرى طلبت منه أن يتخيل نفسه يقضي يوما كاملا برفقتها وأن يكتب سيناريو لأحداث هذا اليوم وهكذا فعل. لقد وصف كيف يأخذ بعض هذه المخلوقات معه للصف ويثير اهتمام طلاب الصف وكيف يجعل بعضها يخيف الطلاب الذين يضايقونه. بحسب النموذج النظري المذكور أعلاه لم تكن هذه المعالجة مجرد معالجة خيالية بل إنها معالجة تؤثر في أعماق تجربته النفسية والجسدية والاجتماعية الحقيقية.
معالجة صراعاتنا النفسية وقضايانا الحياتية تتطلب معالجة منطقية وواقعية نقوم فيها خلال وعينا ومعالجة رمزية ومجازية نقوم بها في خيالنا وأحلامنا وهكذا يتم تفعيل نصفي الدماغ الأيسر والأيمن ويتم التواصل بين الوعي واللاوعي.
* في الجزء الثالث سأشرح علاقة الأحلام بالمستقبل.
