منعًا لهزيمة الدولة العلمانية في الربيع العربي

single
  • د. مراد وهبة : الدولة العلمانية ليست كافرة
  • طه حسين : هل كتب على الإنسانية أن تشقى بالعلم والدين أم تسعد بهما

ما الذي أنبته الربيع العربي؟! هل تفتحت أزاهير الأقحوان والياسمين في تونس؟! هل اكتست أرض الكنانة باللوتس؟! وما الذي أفرزته الثورات في الدول العربية؟
لا شك أن ربيع الثورات العربية، قد أحدث تحولا كبيرا في المنطقة. ولا يستهين أحد بتساقط النظم الاستبدادية في هذه البلدان ووضع مبارك وزمرته وراء القضبان. ولكن هذا الربيع زرع، بالمقابل ، حالة من عدم اليقين، بما سيؤول إليه هذا التحول.
فقد كشفت الأشهر الأخيرة بأن التيارات الإسلامية الأصولية  ، على تنوعها ، تسيطر بشكل كبير على الشارع السياسي في الدول العربية، ونفوذها كبير في النظم الجديدة.
ففي تونس فاز حزب النهضة في الانتخابات البرلمانية وحصد نصف الأصوات . وأول ما بشرنا به الغنوشي هو السماح بتعدد الزوجات في تونس. أما في ليبيا، التي دمرها حلف الناتو بدعم من الجامعة العربية ، وهدمت فيها البنى التحتية، فقد اتضح حجم النفوذ الذي تمارسه الجماعات الإسلامية . ومن المفاجآت التي انكشفت أن من قاد معركة "العزيزية" هو عبد الحكيم بلحاج ، وهو أمير سابق في الجماعة الليبية المقاتلة. ويعتبر بلحاج المسؤول عن توفير الأمن لأعضاء المجلس الانتقالي. كما أن مصطفى حجر ، أحد قيادات الاخوان المسلمين في ليبيا ، يترأس المجلس البلدي لطرابلس. هذا بالإضافة الى أن أول تصريح لمصطفى عبد الجليل ، بعد سقوط القذافي ، كان بأن الشريعة الإسلامية هي أساس دستور ليبيا ، وأن أي قانون يتعارض مع الشريعة هو لاغ.
وفي مصر فإن السلفيين أعلنوها صراحة ، بأن أرض الكنانة " إسلامية... إسلامية" . فيما يعلن "الإخوان المسلمون" أن مصر ستكون دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية! الأمر الذي ينسف الأسس التي تقوم عليها الدولة العلمانية أو المدنية . وهكذا قد تبقى مصر دولة "مدنية" مشوهة  وكلاهما يتناسى ، أو على الأصح ، ينفي وجود ثمانية ملايين مواطن قبطي ، موزعين على طول ضفاف نهر النيل.
إن تغلغل الأصولية الإسلامية في الدول العربية يقوض دعائم أي فكر علماني أو حتى ليبرالي. وبالتالي نستطيع القول ان إحدى نتائج هذه الثورات ، حتى الآن ، هو هزيمة الدولة العلمانية أو الدولة المدنية أو دولة المواطنة.
وحتى لا يختلط الأمر على البعض بشأن الدولة العلمانية لا بد من توضيح الأسس التي تقوم عليها هذه الدولة . خاصة أن مفكري الأصولية الإسلامية وغيرهم من الأصوليين في الديانتين اليهودية والمسيحية ، يحاولون إلصاق الكفر والإلحاد بمصطلح العلمانية .

  • *ما هي الدولة العلمانية؟*


العلمانية نمط تفكير لا يعادي الدين ، بل هو معادٍ لتأويل رجال الدين الحرفي للعقائد. وترفض العلمانية محاولة رجال الدين فرض تأويلاتهم من أجل هيمنتهم وسيطرتهم على الناس.إنها نمط من التفكير يناهض الشمولية الفكرية لرجال الدين على عقول البشر حتى في شؤون العلم والحياة الاجتماعية والسياسية .
 العلمانية هي مناهَضة حق امتلاك الحقيقة المطلقة ، ودفاع عن النسبية والتاريخية والتعددية ، وحق الاختلاف  ، بل وحق الخطأ.
وتأسيسا على ذلك فإن الدولة العلمانية هي دولة المواطنة.. هي الدولة التي تفصل الدين عن الدولة . هي الدولة التي تضمن الحريات المدنية مثل حرية المعتقد والرأي والدين والكلام والنشر. والحريات التنظيمية والسياسية مثل إنشاء الأحزاب والنقابات والجمعيات وتداول السلطة وحرية الصحافة.
ولذلك، يقول د. مراد وهبة ، رائد العلمانية في مصر، "إن الدولة العلمانية ليست كافرة. لأنها تعطي المواطن حرية الإيمان وحرية العقيدة والفكر. والعلمانية ضد الأصولية وليست ضد الدين".
في الوقت ذاته فإن الدولة العلمانية ضد النظم الاستبدادية لأنها دمقراطية وتداول السلطة في ظلها أمر مضمون كما أن السلطة التشريعية مستقلة ولديها الآليات لمراقبة السلطة التنفيذية.
الدولة العلمانية هي دولة المواطنة ، أي دولة الحقوق المتساوية لكافة موطنيها . هي الدولة التي تستقي قوانينها ودستورها من فكرة مصالح المواطنين جميعا . لا فرق بين الرجل والمرأة ولا تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو القومية والطائفة.
وفي هذا السياق لا بد من الرجوع الى عميد الأدب العربي ورائد الحركة التنويرية ، د. طه حسين الذي دافع بشجاعة عن علمنة الدولة.
وعلى أثر المعركة الأدبية التي نشبت لدى صدور كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926 ، فقد توفرت لديه الشجاعة لنقد اللجنة التي وضعت دستور عام 1923 بسبب المادة التي نصت على أن "الإسلام دين الدولة" ، فكتب مقالا في مجلة "الحديث" قال فيه : "إن النص في الدستور (الإسلام دين الدولة) هو مصدر فرقة ، لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين فقط ، من أهل مصر ، وإنما نقول إنه مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم ، فهم لا يفهمونه على وجه واحد".
وفي مقدمة كتابه " من بعيد " الصادر عام 1935 كتب طه حسين في فصل بعنوان "بين العلم والدين" ، ناقش فيه العلاقة بينهما ، "الحق أن هذه الخصومة بين العلم والدين ستظل قوية متصلة ، ما قام العلم وما قام الدين، لأن الخلاف بينهما جوهري. لا سبيل الى إزالته ولا الى تخفيفه ، الا إذا استطاع كل واحد منهما أن ينسى صاحبه نسيانا تاما ويعرض عنه إعراضا مطلقا" وفي شرحه لأسباب هذه الخصومة  كتب "الدين يرى لنفسه الثبات والاستقرار، بينما العلم يرى لنفسه التغير والتجدد ، فلا يمكن أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما عن شخصيته... والمسألة في حقيقة الأمر، ليست في أن الخصومة واقعة أو غير واقعة وإنما المسألة هي أن نعرف هل كتب على الإنسانية أن تشقى بالعلم والدين، أم تسعد بهما؟... وسبيل ذلك أن نرغم السياسة على أن تقف موقف الحيدة من هذين الخصمين". واختتم دراسته قائلا: "نحن نريد أن نظفر من الاستقلال بما يقفنا من انجلترا وفرنسا موقف الند للند . نحن مضطرون إلى أن نعيش ، ولن نعيش إلا إذا اتخذنا أسباب الحياة الحديثة... والعلم وحده سبيلنا الى ذلك  ، على أن ندرسه كما يدرسه الأوروبيون ، لا كما درسه آباؤنا  منذ قرون... وهذا العلم الحديث الذي لا نستطيع أن نستغني عنه ، لا يمكن أن يثمر إلا في جو كله حرية وتسامح . فنحن بين اثنين: إما أن نؤثر الحياة ، وإذًا لا مندوحة عن الحرية ، وإما أن نؤثر الموت، وإذًا فلنا أن نختار الجمود.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"وداعًا يا آخر قنديل زيت"!!...

featured

تعليمٌ على حافة الهاوية

featured

الحقيقة العارية-علياء المهدي

featured

بيبي شرط ضروريّ للاحتلال

featured

مرتزقة ... وأقنان

featured

لاجئ سموني لاجئ