اوباما وبيرس.. أية حرية بالضبط؟!
أحسد كل من يستطيع أن يدير ظهره للأحداث، أحسد هؤلاء الذين يعيشون داخل أغنية الفنان والملحن اللبناني فيلمون وهبي "طلعت نزلت زاحت عن ظهري بسيطة" لأن عدم اهتمامهم قد يمنح الجسم والروح راحة البال والهدوء النفسي والتحرك في دائرة خاصة متخمة بألوان التفاؤل.
قد يسقط الواحد منا في حفرة الاحباط من الوضع السياسي، ويطالب اعصابه بالتوقف عن اللعب في ملعب التحديق والتأثر بنشرات الأخبار والتعليقات والصور والتفتيش في الفضائيات عن نافذة تمد حبال الآمال وتنقذه من فكرة الانتحار البطيء.
لكن كيف يمكن ان تبقى الأعصاب سليمة والضغط في الجسم في حالة استقرار والقلب ينبض بشهوة الشباب والعافية، ونحن نرى "رئيس دولتنا" شمعون بيرس بوجه البريء الذي يشعرك أن وقار الشيخوخة السياسية مكفول على تقاسيم وجهه لمئة سنة من الانتصار والتحرك العالمي.
شمعون بيرس – من اكثر السياسيين اقدمية في العالم – يحصل على وسام الحرية، أعلى وسام تمنحه الولايات المتحدة لشخصيات قدمت مساهمة جديرة وهامة من أجل السلام العالمي – "كلام جميل وكلام معقول مقدرش أقول حاجة عنه" على رأي المطربة ليلى مراد – لكن ان عجزت ليلى مراد نحن لم نعجز في صب الشتائم فوق رأس النفاق السياسي والزمن العاجز.
التقيا... اوباما الرئيس الشاب الذي أذهل الزعماء العرب حين تم انتخابه ووضعوا جميع بيض التعاطف والتغيير في سلته، ونادوا في القاعات والمؤتمرات لا يحل القضايا الا اوباما، لكن اوباما قام بعملية غسل معدة للوجوه العربية بعد ان بلعها وجدها لا تستحق البقاء وهضمها، فقام بغسلها من معدته وذاكرته، واستسلم لسحر دولة اسرائيل بشخصياتها وقادتها، هناك الضمان والاطمئنان والفوز ومعانقة الكرسي بعد جولات الانتخابات.
اوباما يعتبر دولة اسرائيل ابنته وحفيدته وتواصل اجيال ولاياته وشباب امريكا، وحين يقدم بيرس له الهدايا بالمناسبة ردا على وسام الحرية لا يهديه طبقا من الذهب عليه كؤوس أيضا من الذهب الخالص، كما قدم الملك السعودي لمرجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا سابقا ، وسيف من الذهب كما قدم أيضا الملك السعودي للرئيس بوش الابن، وكلنا لا ننسى الصورة التي ظهر فيها الملك السعودي وبوش وهما يرقصان معا على صليل السيوف قبل غزو العراق بفترة قصيرة.
نقول ان شمعون بيرس قدم هدية لأوباما عبارة عن مستند تاريخي، الرسالة التي ارسلها حايم وايزمان الى الرئيس الامريكي هاري ترومان التي تشهد على اعتراف الرئيس الامريكي باسرائيل، وفيها يشكر وايزمن ويشدد على توطيد العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، وأيضا اهدى بيرس لأوباما برقية قديمة وجهها دافيد بن غوريون حيث يشكر بها امريكا على دعمها لإسرائيل.
هذه ليست هدايا، هذه مقطوعات عزف اسرائيلية على وتر الذاكرة الأمريكية، لكي يبقى اوباما على موعد مع العزف ولا يصيبه الملل.
أمام سجل شمعون بيرس – الجرائمي - ومسيرته العسكرية والسياسية التي كتبت على اجساد الفلسطينيين والعرب من مجازر ومذابح، اختلفت العناوين والاسماء والجغرافيا والمواقع من بحر البقر الى دير ياسين الى صبرا وشاتيلا الى قانا..الخ لكن لم تختلف طرق القتل والذبح والرصاص والقنابل والحرق.
الرئيس بيرس حصل سابقا على جائزة نوبل للسلام، قلنا يخطئ التاريخ مرة، وقام بمشروع حضاري أطلق عليه مركز بيرس للسلام، ضحكنا وقلنا عن أي سلام يتحدثون، لكن أقنعوا العالم أن السلام في نظرات بيرس الحنونة وفي طيات سترته الدبلوماسية، وها هو يحصل الآن على وسام الحرية! لا نعرف على أية حرية يتحدثون حين تلتقي حسابات البيت الأبيض وحسابات اسرائيل فوق بيادر العرب النائمة، هل هي حرية المضي في طمس القضية الفلسطينية وعرقلة قيام الدولة ؟ ام حرية صنع اقفال خاصة للسجون والزنازين وعدم الافراج عن الأسرى ؟ أم اقامة المزيد من المستوطنات وترك سوائب المستوطنين تسرح وتمرح وتبني وتقتل وتقلع دون حسيب او رقيب ؟ ام الحرية في تشويه التاريخ الفلسطيني عن طريق الهدم وتغيير الملامح وقلب الحقائق ؟؟ أو أو...
والشيء الذي يزيد من رفع الضغط في الجسم أن شمعون بيرس يشكر الرئيس اوباما انه توقف عن دعم الحكام الفاسدين في الشرق الأوسط، بالطبع يقصد شلة مبارك وبن علي والقذافي وعبدالله صالح، ونضحك هنا حين نعرف ان هؤلاء كانوا الفئران التي تعيش في اقفاص التجارب السياسية الأمريكية الاسرائيلية، وعندما اهترأت اجسامهم من كثرة العقاقير والتشريح القوا بهم فوق مزابل التجاهل ، ويأتي بيرس الذي استفاد من تجارب هؤلاء الفئران ويشكر امريكا على عدم دعمهم، وهذه عبرة وصورة ناصعة البياض للملوك والحكام العرب، كيف يتحولون الى ليمون للعصر، وكيف يرمون القشر..
المصيبة ان لا أحد من الزعماء والحكام العرب انتقدوا "وسام الحرية" والرئيس اوباما، لم يتذمروا ويكشفوا غضبهم من هذا العهر الأمريكي، حتى السلطة الفلسطينية لم تعلق كأن التاريخ والمشاعر الفلسطينية تختفي ولم يعد لها وجود أمام المرآة الأمريكية التي يقف أمامها الشعب اليهودي ويؤكد لها يوميا على طريقة القصة المعروفة (مرايتي يا مرايتي هناك أحلى منا، فتؤكد المرآة لا.. انتو أحلى البشر).
في كتاب التجربة والخطأ كتب حايم وايزمن "أنا متأكد من أن العالم سيحكم على الدولة العبرية من خلال ما سنفعله بالعرب" وفعلا كلما اذلت اسرائيل العرب نال زعماؤها الأوسمة والدعم والسلاح والدلال.
