أحبك يا بلدي

single

إن الشعراء والروائيين الأحرار وكل صاحب قلم حر.. أكثر ما يشدهم إلى الكتابة هو بالأساس حبهم لبلدهم ولوطنهم وللإنسانية جمعاء.. فعلى اختلاف بلدانهم واديانهم وقومياتهم ومشاربهم الفكرية ينشدون ويكتبون للفجر الآتي.. فجر الحرية وتحطيم القيود.. قيود الاضطهاد والاستغلال، وكل مرامهم هو نشر السعادة واللمسات الإنسانية على بلدهم ووطنهم بشكل خاص وعلى وجه الكرة الأرضية بشكل عام، لأنه لا حياة ولا سعادة لقوم بدون القوميات والشعوب الأخرى. فنحن جزء من هذا العالم الواسع والعالم جزء منا.. فأنا واحد من هؤلاء.. أولا كانسان وثانيًا كمناضل يسعى بكل تواضع ان يزرع البسمة على وجه كل إنسان مظلوم في هذا الكون. وهذا الطريق سلكته منذ نعومة أظفاري حتى الآن من قلب الحصار الخانق في سجن الجلبوع بأسواره الإسمنتية الشاهقة وبأسلاكه الشائكة ومن أعماق الألم ونزيف الجرح ومن عظمة التضحيات والتي تهون في سبيل شق الطريق الصعبة للوصول إلى الحرية.. أناشدكم يا أحبتي.. يا أهل بلدي بكل عائلاتكم وعلى اختلاف مشاربكم الفكرية ومن كل الأعمار ان تحافظوا على هذا البلد الكبير بأهله وعلمه وثقافته.. إنني حقا أتعالى على آلامي الاجتماعية والسياسية الكبيرة والمحزنة.. والكل منكم في هذا البلد الطيب يعرفها ويفهم تفاصيلها المأساوية.. ومع كل ذلك فالمصلحة العامة فوق كل الاعتبارات الشخصية.. فأنا أتوجه إليكم أيها الطيبون للحفاظ على هذه الأجيال.. هذه الزنابق من أولادنا وأولادكم جميعًا والتي تزيّن بساتين حياتنا والتي هي أمانة في أعناقنا. ان نار الفرقة والعصبية العائلية والأنانية تحرق الجميع ولا ترحم أبدا أي واحد منا، فهي حتما ستطال حتى الواقفين على الحياد.. إنني ومن خلال موقعي النضالي ومن بين هذه الأسوار اللعينة اشعر بحزن عميق وبقلق كبير على آفة العنف ولغة السلاح التي تسود مجتمعنا الجتاوي بشكل خاص وباقي مجتمعاتنا العربية بشكل عام – إنني أتساءل.. لماذا لا تكون ولا تسود لغة الحوار الحضاري – لغة التآخي والمودة بيننا لكي ننقل من خلال هذا الأسلوب الإنساني والحضاري رسالة لكل فئات مجتمعنا – لكل بلدنا – هذا البلد الطيب بأصله والذي تربينا بين أحضانه وعشقنا مناخه وترابه وأزهاره وكل التفاصيل التي تربطنا به وبتاريخه.. لقد لعبنا وركضنا وفرحنا وبكينا جميعًا منذ ان كنا صغارًا في شوارعه وبين أزقته ورسمنا أجمل أحلامنا بين ظهرانيه؟! فيا أحبتي نحن جميعًا في سفينة واحدة فان قام أحد منا بخرق هذه السفينة فحتمًا جميعنا سيغرق وحينها لا ينفع الندم ولا اللطم على الخدود – ان بلدنا كان يتميز دائمًا بحب العلم والمعرفة والثقافة، فأين هؤلاء.. واين دورهم ومساهماتهم بجعل بلدنا طليعة البلدان بالتآخي والوحدة والتطور والسلم الأهلي؟! ففي اشد الحالات من أجواء التناحر العائلي استطعنا مجموعة من الشباب في السابق ان نؤلف قائمة واسمها "طلائع جت" واهم شعاراتها – لا للعائلية بمفهومها الرجعي القبلي – جت عائلة واحدة – كلٌ حسب كفاءاته – ومع الأسف لم تنجح القائمة والتي كنت أترأسها للوصول إلى المجلس المحلي، فأدركت بعدها بان عملية التغيير لا تأتي بثمارها من خلال تنظيم قائمة انتخابية أو بضربة سحرية وإنما من خلال تربية جذرية على مفاهيم تقدمية ومنفتحة على الآخر. تربية المحبة والتآخي والاحترام لبعضنا وليس زرع جذور الكراهية والحقد من اجل اعتلاء أي منصب بدون ان يدرك كل واحد منا بأننا نقود أنفسنا جميعًا إلى الهلاك ناسين الآية الكريمة – ولا ترموا بأيديكم إلى التهلكة – هذه التربية الصحيحة يجب ان تبدأ من البيت ومن ثم تنسحب على المدرسة وعلى كل الحركات الدينية والسياسية وعلى الجميع ان يكمل الواحد الآخر من اجل عملية البناء هذه، وان نكون معًا مثل خلية النحل وان لا يتقاعس أحد منا عن القيام بواجبه ومن خلال موقعه.. لان بلدنا جت بأهلها الطيبين بشيبها وشبابها وأطفالها أمانة في اعناقنا جميعًا.. فمن يحب بلده يجب ان لا يتوانى لحظة واحدة عن النضال الدؤوب على المستوى الاجتماعي والسياسي.. لأن الوعي والعلم هما أمضى سلاح نُشهره في وجه الجهل والخرافة والاقتتال العائلي البغيض وأيضًا أمضى سلاح نجابه به عثرات الزمن ومؤامراته والتي تُحاك وما زالت ضد مجتمعنا العربي الفلسطيني بكل طوائفه، وهذا يتجلى بالأساليب الخبيثة من خلال الدعوة "للخدمة المدنية" أو بإغراق مجتمعاتنا بجيش من العملاء لإفساد مجتمعاتنا وإعاقة تطورها. إنني والله أحبكم جميعًا بدون تمييز لأننا جميعًا أصحاب هم واحد وحلم واحد وتطلعات واحدة فالفرح والحزن يجمعنا جميعًا – كلي أمل كأحد سكان بلدتي جت ان يحتكم الجميع للغة العقل لأن لغة العقل هي المفتاح الأساسي للسير في طريق آمنة نمشي عليها جميعًا بكل ثقة وحب وأمل لكي نصل يومًأ ما إلى الحرية والكرامة والله الموفق.
مهما حاصرتني الأسوار بعلوها، ومهما شدّ عليَّ القيد بجنونه وعنفوانه، فجنون حبي لبلدي وأهلها أقوى من كل هذه العوامل الخانقة.
عاشت جت بأهلها العظماء
جت عائلة واحدة موحدة
ابن بلدكم البار
أسير الحرية والأسير بحبكم،
فدائمًا على العهد والوفاء

 

 

محمد علي خلف – أبو باسل

(سجن الجلبوع رقم 2)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ايران كوبا الشرق الأوسط

featured

فتى الموقف المنعش

featured

تشديد شروط اعتقال الاسرى الفلسطينيين: قانون الابتزاز

featured

فَلْيَسْقُط الاسْتِعمَار وأَجيرَته الصَّهيُونِيَّة

featured

سيكحّلها كحلون أم سيعميها؟

featured

دير ياسين... سبعون عامًا

featured

العراقيب وعكا خط المواجهة

featured

محاولة للتشبّث بالسّلطة، بالنّهب!