لم تعد ظاهرة القرصنة في خليج عدن تدخل في باب النوادر والطرائف، المستوحاة من قرون مضت كانت فيها اعالي البحار والمحيطات خاضعة لسفن ترفع ذلك العلم الاسود الشهير المكون من جمجمة تتوسط عظمتين. بات القراصنة الصوماليون يسقطون على عمليات السطو والخطف البحرية بعض المبررات السياسية، التي تبدأ بالصومال لتشمل مختلف انحاء العالمين العربي والاسلامي وعلاقاتهما المضطربة مع النظام العالمي الحالي.
حتى الان، لا يزال القراصنة الصوماليون يمثلون واحدا من اكبر التحديات التي تواجهها حركة الملاحة البحرية العالمية، والتي يمكن ان تفرض على جميع شركات النقل البحري التي تتولى اكثر من سبعين بالمئة من التجارة الدولية، تغيير بعض رحلاتها وخطوطها الملاحية وتشديد اجراءات حماية سفنها، تماما كما هو حاصل مع حركة الملاحة الجوية التي اضطرت الى تحصين الطائرات المدنية وتحويلها عن بعض مساراتها واجبرت على تشديد الامن في مختلف مطارات العالم من دون استثناء.
وفي مناسبة هذا التحدي الطارئ، استعاد الاميركيون والاوروبيون ذكريات المعارك والمعاهدات التي وقعتها دولهم مع القراصنة البربر المنتشرين على السواحل الافريقية الشمالية، من اجل ضمان حرية الملاحة في مياه البحر الابيض المتوسط قبل اكثر من مئتي عام... والتي كانت احد اسباب الحملات الاستعمارية التي شنتها الدول الاوروبية على مختلف البلدان المتوسطية، وانتهت بالسيطرة التدريجية على الامبراطورية العثمانية ومستعمراتها المغربية والمشرقية.
وفي ظل الصدى الواسع لتلك الظاهرة التاريخية التي عجزت اساطيل الدول الكبرى جميعا عن كبحها، طرأ مؤخرا تطور جديد على لغة القراصنة الصوماليين وشركائهم الموجودين على البر الصومالي، وصاروا يتحدثون عن ان السفن المبحرة على مقربة من شواطئهم هي التي يجب ان تتهم بالقرصنة على خيرات الشعب الصومالي وسيادته البحرية التي تتسع يوما بعد يوم لتشمل جزءا كبيرا من السواحل الشرقية للقارة الافريقية. ولم تعد الاحزاب الاسلامية الصومالية تخفي تشجيعها للقراصنة على المضي قدما في محاولة استرداد حقوقهم السليبة.
وحتى الآن ايضا، لم يكن القراصنة الصوماليون يميزون بين السفن وهوياتها واعلامها ولم يعرفوا في بعض الاحيان الفارق بين بارجة وسفينة ركاب او شحن او ناقلة نفط. لكن الحادث الاخير الذي تورطوا به مع سفينة شحن اميركية وادى الى مقتل ثلاثة منهم واسر رابع، دفعهم الى توجيه تهديدات مباشرة الى اميركا لا يمكن ان تصدر الا عن حركة مقاومة جدية مجهزة بالرجال والسلاح والعتاد... وبالايديولوجيا التي يبدو انها تتبلور هذه الايام وتُكسب تلك الغزوات البحرية الجريئة طابعا وطنيا. ولن يكون من المستبعد ان تكتسب في مرحلة لاحقة طابعا عربيا او اسلاميا عاما، ويتحول افرادها الى تنظيم سياسي يعترف به، ثم يستخدم من قبل عدد من العواصم العربية والاسلامية، ويتحول الى طرف في المحاور التي تفرز العالمين العربي والاسلامي، لا سيما بعدما استهدفوا بالامس سفينة لبنانية، لم يعرف حتى الآن ما اذا كان اصحابها ينتمون الى فريق الموالاة او المعارضة!
القرصنة يمكن ان تصبح مقاومة وممانعة، مثلما يمكن ان تندرج الحملات الدولية لمكافحتها في سياق نشر الحرية والديموقراطية في العالمين العربي والاسلامي!
