عندما تمرّد المارد على خالقه في سوريا: تمدُّد داعش في العراق!...

single

حذّر المئات لا بل الآلاف من الكتّاب والمفكرين والمحللين السياسيين عربا وأجانبَ وعلى مدى سنين طويلة، في مقالات ومحاضرات ومناظرات وحوارات صارخة وساخنة من خطورة ما يجري من تطورات سريعة ومتسارعة في منطقتنا خاصة وفي منطقة الشرق الأوسط عامة، ومن آثارها الكارثية وعواقبها الوخيمة التي تهدف أول ما تهدف الى تدمير وتفتيت الدول العربية الواحدة تلو الأخرى، تنفيذا لمخطط اجرامي شرير جرى اعداده مسبقا ويجري تطبيقه علنا في هذه الأيام لعلهم يتفقهون ويتبصّرون ويفهمون!...
ولعل ما يصعب فهمه وتفسيره وتأويله اصرار الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة على اتباع تلك السياسة الخرقاء في دعم وتأييد مجموعات مسلَّحة متشددة تسميها "معارضة معتدلة"، ومدّها بالمال والسلاح وفتح الحدود أمامها على مصراعيها مع علمها باحتمال عودتها عبر هذه الحدود تماما كما دخلت منها!... وكلنا نرى ونسمع ما تقوم به من تقتيل وذبح وتشريد للأبرياء وتدمير لكل المنشآت الحيوية تحت أعين وبصر وبصيرة العالم بأسره رغم أن الكل يعلم، وهي تعلم،أن هذا الأمر سيرتد عليها في النهاية وبالًا وخيما وسيصعب عليها ردّه وصدّه أولا وآخرا...
كان من الواضح وضوح الشمس وكانت كل العناوين مكتوبة على الحائط، لمن يبصر ولمن يقرأ، ولكل ذي عقل يتبصر، بأن الحركات الارهابية، التي خلقوها وأطلقوا يدها في سوريا وغذوها بالمال وأمدوها بالسلاح، الذي تبين فيما بعد أنه تسلل الى أيدي "داعش" وأخواتها، ووضعوها تحت عناية ورعاية وحماية الدول الغربية الكبرى، وأنزلوها في الفنادق الفاخرة تدللها وتسمنها الى أن كبرت واشتد عودها، تمددت كدودة القز وبدأت تتسع وتتسلل لتعبر حدود الجغرافيا السورية وتخترق حدود الدول المجاورة كالعراق والاردن ولبنان، ولربما ستصل أذرعها الطويلة حدود دول أخرى كالسعودية والكويت وسائر دول الخليج...
كان جليا من التجربة الأفغانية السابقة عندما خلقت أمريكا القاعدة وطالبان وجلبت العرب الأفغان لتحارب بهم الشيوعيين "الكفار"، حلفاء نظام نجيب الاشتراكي التقدمي، ثم انقلبوا عليها عندما انتهت مهمتهم وبعد ان تدربوا على أساليب القتال وبعد أن هزمت روسيا وخرجت من افغانستان وتفكك الاتحاد السوفييتي فيما بعد، قاموا بنشر فكرهم التكفيري، أثناء "استراحة المقاتل"، وضخّه في شرايين الملايين حتى وصلوا الى نيو يورك... ونحن نشاهد ما يجري في هذه الأيام لا يسعنا الا أن نسأل ونتساءل: هل ستعيدهم أمريكا اليها مرة أخرى بنهجها الغريب يا ترى؟...
وفي ظل وتحت جناح هذه الحرب الغبية على الارهاب استطاعوا أن يعودوا الى الشرق الأوسط واتخذوا من بعض دوله قواعد لهم وأقاموا في بعضها خلايا نائمة ومستيقظة، تنتظر الساعة لتنقض على فريستها يساعدها في ذلك شلل الأنظمة العربية والفشل في ايجاد بديل لها بالإضافة الى اعلان أمريكا والغرب العداء للحركة القومية العربية العابرة للقارات (من المحيط الى الخليج)، والقادرة مع الزمن ان تقف (وقد وقفت) سدا منيعا في وجه الامبريالية والاستعمار الغربي الشرس وكان لا بد من إضعاف هذه الحركة حماية لمصالحها وحماية لحلفائها وأصدقائها في المنطقة، ولذا عملت على محاربتها بكل حقد ولؤم وكراهية محاولة القضاء عليها ليجد"الداعشيون" وأمثالهم الفرصة مؤاتية لملء الفراغ الناتج عن ذلك، ولا شك بأن خيبة الأمل الكبرى واليأس القاتل من تحسين أوضاع الجماهير العربية اليائسة والبائسة كان عاملا مساعدا في ظهور مثل هذه الحركات وانتشارها...
ارتكب الغرب، باعتراف كبار مفكريه وسياسييه، خطأً جسيما في غزوه للعراق تحت ذرائع وهمية واهية كاذبة ومفبركة والذي تأكد فيما بعد خلوه من أسلحة الدمار الشامل وحتى خلوه من الارهاب والارهابيين، بل بالعكس فقد جلبت هذه الغزوة الارهاب اليه وملأته بالإرهابيين وها هم الآن يحصدون ما زرعت أيديهم من بذور الشر!...وتبين فيما بعد وفيما قبل أن الهدف الحقيقي من هذه الغزوة كان تدمير العراق، هذه الدولة العربية الواعدة، وتفتيتها وتقسيمها الى دول اقليمية وطائفية وعرقية لإضعافها لغرض لا بل لأغراض في نفس يعقوب...
وكان الغرب قبل ذلك قد سقط،أو بالأصح أسقط نفسه، في المستنقع الأفغاني ولم يتعلم الدرس القاسي الأليم من نظيره الروسي ولم يكتف بذلك، رغم انسحابه على عجل، بل لا زال يتخبط في حربه "الوهمية" ضد الارهاب كما في أفغانستان وباكستان ومالي اليوم وتارة معه كما في سوريا والعراق وربما في دول أخرى، مما أفقده مصداقيته وزاد الارهابيين قوة وعزما ونفوذا وتنظيما وانتشارا وسيأتي يوم تأتي فيه هذه السياسة اللعينة باللعنة على مرتكبيها وها هي هذه المجموعات المسلحة "غربيا" تفتتح سوريا والعراق، وربما ستفتتح دولا عربية أخرى عما قريب، وتقيم دولة الخلافة فيها وتنصب أميرا عليها... ويصح القول عندئذ: لقد تمرّد المارد على خالقه وتمدّد داعش حتى وصل بلاد ما بين النهرين أو بالأحرى ما تبقى منها... ويتبادر الى أذهاننا السؤال التالي: هل سيأتي يوم تعترف به الولايات المتحدة بهذه الامارة "الجديدة" وتقيم العلاقات الدبلوماسية معها؟...
من يزرع الريح يحصد العاصفة وها هي العاصفة تقترب رويدا رويدا لتقتلع الغرب وأساطيله من هذا الشرق وترحيله الى بلاده ان لم تلحق به الى هناك!... وسنبقى ندور في حلقة التساؤل المفرغة ان لم يكن لكم في النهاية بد من محاربة القاعدة وفروعها ألم يكن الأولى بكم أيها السادة محاربتها وهي في المهد وعدم تسليحها بدل أن تحاربوا من منع دخولها ووجودها في بلاده!!...وان كان المسيحيون المشرقيون مع غيرهم من اخوانهم العرب أول من دفع جزاء غبائكم إلا أن هذا الغرب سوف يتحمل تبعات سياسته الحمقاء وتقع على عاتقه يوما ما إن عاجلا أو آجلا مسؤولية ما ارتكبت يداه...

قد يهمّكم أيضا..
featured

سلفيون مع وقف التنفيذ الإسلامي

featured

لائحة اتهام أمريكية لحلفائها!

featured

لماذا نَجْزِم بأنّ مشاريع تَصفِيَة القضيّة الفلسطينية سَتفشَل؟

featured

مقاومة شجاعة... وأسئلة مقلقة

featured

أمريكا اللاتينية نحو التنمية والتحرر

featured

هل يمكن أن نصادم؟!

featured

بأمل، نحو عام جديد