الحزب الشيوعي يدخل ثلاثة مسارات لثلاث حالات متتالية: فمن وضع رمادي-ضعيف، إلى حزب يخطو كتارك الأمور على عواهنها، وأخيرا (ونأمل أن يخيب ظنّنا) أمام حالة، اكرام الميت دفنه.
في الوقت الذي يواصل فيه رفاق كُثر شن انتقاد سوء السلوك الرسمي، يجب أم يُجرى وضع مناهج جديدة لتنظيم الحزب .من أجل إعادة ترميمه والسير به على نحو أفضل.
إن الهدف من الاصلاح فى هذا الجانب هو اختيار مسؤولين وكوادر، يمتازون بيقين راسخ في الايديولوجية، والاعتقاد ورغبة فى خدمة المواطنين واجتهاد مع تصوّر عملي ناجع، وشجاعة ومسؤولية وأمانة واستقامة.
الحزب على المستوى التنظيمي تراجع بشكل كبير على كافة المستويات القيادية، فأتت قيادة ضعيفة تنظيميا و سياسيا.
إن لجنة المراقبة بالمؤتمر الأخير، اقرَّت بان قسمًا كبيرًا من أعضاء الّلجنة المركزيَّة تغيّب بشكل دائم عن حضور جلساتها، وهذا لم يمنع الّلجنة المركزيّة من التوصية بانتخابهم مرّة أخرى، وهذا دليل قاطع على انهيار التّنظيم كُليًّا حيثُ وجب محاسبة هؤلاء الرِّفاق وليس مكافأتهم.
إن مشكلة الحزب تكمن في غياب برنامج سياسيّ و تنظيميّ، و برنامج تحرُّك يوميّ، وكمن يترك للأمور أن تتطوّر على عواهنها، وينعكس ذلك في موقف القيادة الضّعيف، والرّمادي والمتردّد من قضايا عديدة.
يصنّف البعض، أنّ وضع الحزب الحاليّ في ظل الظُّروف الراهنة محليًّا وعربيًّا بأنّ موقف القيادة السّياسيّ لا بأس به، وضمن المعقول -كأضعف الإيمان-. مكتفيًا البعض الآخر "بقشّة" موقف وتحذير الحزب من مخاطر استهداف سوريا والبلاد العربيّة وشعوبها، من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. دون النّظر لأنّ هذه القيادة، تجرّ الحزب ليتشابه مع أجسام أخرى موجودة على السّاحة، غير المبادرة، وغير المُقاتلة، والمكتفية بالمواقف "المبدئيّة"، والرّمادية أحيانًا.
هناك من تخلّى عن تعبئة قدرات الحزب وكادره للمساهمة في المواجهة على الصّعيد المحلي اليومي. ومباشرة هي القيادة غير الكفيئة، لمرحلة تحديات كبرى، إضافة لذلك تفكّك العلاقة بين المركزيّة والقاعدة، في جو غضب من نتائج انتخابات السّلطات المحليّة الأخيرة، الّتي أدت إلى خسارة الجبهة والحزب معظم مقاعدهم المحليّة، بعد خسارة قسم كبير من قواعدهم الشّعبيّة.
وترجع أسباب هذا الشّرخ بين القطريّ والمحليّ بحسب رأيي، في فشل القيادة في رسم سياسة مبادرة، تستطيع تعبئة الحزب وجمهوره والتشبيك بينهما. والسبب الثاني غرقها في البيروقراطية واستئثارها في القرار، واعتمادها الولاء والزبائنية وأحيانًا العربدة، في العلاقة مع كوادر الحزب، وأخيرا وليس آخرا: تحويلها للحزب والجبهة الى شبه ملكية خاصّة، تعمل على الاحتفاظ به مدى الحياة.
يمكن إعادة نفض الحزب الشيوعي عن طريق المؤتمر الاستثنائي القادم، والذي سيشهد صراعًا حقيقيًّا، بين من يريد إبقاء الحزب على وضعه الرَّاهن وموته البطيء، وبين من يريد فرض احترام المُمارسة الدّيمقراطية الشفّافة، وتجديد القيادة، وإعادة الحزب إلى دوره الطليعي في قيادة النضال التقدمي، بين العرب واليهود.
في الحديث حول مطرقة القضايا الملحّة كمواجهة الفاشيّة والعنصريّة، وسَندان الترهّل التّنظيميّ، لا يمكن إلّا لقيادة تحاول النّأي بالنفس عن الصّراع الطّبقيّ، واليوميّ، أن تخرج الحزب خارج دائرة الوضع الراهن، وتفقده أي تأثير على الأحداث. وتجعله ضحية جبنها عن خوض الصراعات والمعارك الكُبرى، باختراعها للحجج النظرية لتبرر خوفها والأصحّ عجزها.
يجب إرسال رسالتين: الأولى أنّه لا يمكن النّهج الّذي كان سببًا في دخولنا بأزمة وركود، هو ذاته النّهج الّذي يستطيع إخراجنا من الأزمة. والثّانية، لمن يوقن أنّ الحزب الثّوريّ، الماركسيّ الّلينينيّ، هو خلاص من سئم الحرب والفقر والجوع، بأن يدعموا كلّ مسعى إلى جعل الحزب حزبًا أكثر ديمقراطيّة وأكثر مبادرة وأكثر فعاليّة.
• وضع الحزب الشيوعي في الحياة السياسية الإسرائيلية
يكاد يكون وضع الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الحياة السياسية الإسرائيلية معدومًا، لناحية التّأثير والفعل الإيجابيّ في الحياة السياسيّة الإسرائيليّة، فالحزب مقارنة بالمدّ الرّجعي والصّهيوني، يعيش انكفاءً يكون معه بالكاد موجودا وذلك لسببين . أولا غياب استراتيجيّة فعلية لبرنامج عمل يوميّ، أمام مواجهة المد الأصوليّ والصّهيونيّ، رغم أن هذه الأجواء تاريخيًا، في المنطقة وفي إسرائيل، هي أجواء مناسبة لاستقطاب الجماهير . والسّبب الآخر هو الأزمة الدّاخليّة التّي طغت على كلّ شيء، وشلّت عمل الحزب وهيئاته، وعمّقت الخلاف بين رفاقه، دون السّعي لإيجاد صيغ ديمقراطيّة لحلّ هذه الأزمة والخروج منها بطاقة أقوى ورؤية وكادر وتنظيم أقوى.
فالتغيّب عن الأحداث المحلية لأسباب، داخلية وخارجية، الداخليّة المقصود بها المشاكل التنظيمية والخارجية هي البيئة المشحونة، وغياب استراتيجيّة قادرة على اختراق الساحة، بالرغم من حضور الحزب في حراك الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في إسرائيل ضدّ العنصريّة والتّمييز، وحضوره بشكل أقلّ بكثير في الشّارع اليهوديّ، إلا انه لم يستطع بلورة نفسه كصيغة حل أو كمشروع بديل، ما ترك للقوى الأصوليّة والقومجيّة وغيرهم،قيادة واستثمار وضع البلاد المشحون، لمصالحها الضيّقة وليس لمصالح الشعب.
• ضعف التكوين الفكري لدى غالبية الرفاق
الأزمة الفكرية هي أزمة جوهرية بالحزب الشيوعي، فغياب المحترفين الحزبيّين، مع عدم استعمال الأدوات التثقيفية في الفروع، أدّى الى ضياع فكري وتخبط سياسيّ، عند كثير من الرّفاق، مع ضعف الأسس التنظيمية، أفقد شيوعيّين كثرًا بوصلتهم النضالية. عدم وجود ديمقراطية ممارسة في الحياة الداخلية الحزبية يشلّ الدّافعيّة والإمكانية للتفكير الإبداعي لدى الرفاق وإنتاج ما هو مهم وضروري.
الحلّ لعدم دفن آخر معالم للحزب الّذي قاد قاعدة تاريخيّة عريضة، من عمّال وكادحين ومقهورين، عربًا ويهودًا، يبدأ بأنّه يعترف أوّلًا أنّه في أزمة تنظيميّة حادّة، وثانيًا عليه مواجهتها بمنتهى الحزم، ولفظ كلّ انتهازيّة من صفوفه، وكلّ ابتذال للواقع، الّذي وحده الحزب الثوريّ كفيل بتغييره.
عاش الحزب الشّيوعيّ
عاش النّضال الأمميّ
