حتى تنتصر الناصرة على هزيمتها

single
نحو مدينة تعلو فوق الخلافات والجراحات التي خلفتها حملة الانتخابات


*من الأجدى بمن أصابته "الحمّى" فأعمت بصره وبصيرته في الأمس واليوم وقام ويقوم بدعوة أهالي الناصرة إلى تشييع جثمان الجبهة ودفنها، أن يضع على رأسه أكياسًا من الثلج، وألا يواصل أحلامه السوداء. الجبهة حية وقلبها ينبض، وخرجت من أصعب وأشرس انتخابات واجهتها، بكونها القوة الأولى في المدينة. والمطلوب الآن يا خصوم الجبهة، ليس أن يدفن أحد الآخر، وإنما الاتفاق رغم اختلافاتكم وخلافاتكم مع الجبهة على أن شعار "الناصرة أولا" يعني أن المصلحة الجماعية للناصرة ووحدتها الأهلية هي الأساس والنبراس*



قررت المحكمة العليا بتاريخ 11 شباط 2014 الحالي، انه بناء على وقوع أخطاء ووجود خلل جوهري في مسار الانتخابات لرئاسة بلدية الناصرة، ومن منطلق نزاهة الانتخابات وتحقيق ارادة الناخب، يجب اعادة  الانتخابات للرئاسة. واكدت انها توصلت لهذا القرار بناء على وجود (11) صاحب حق اقتراع اما رهن الاعتقال في السجن او خارج البلاد، قام آخرون بالتصويت بدلا عنهم. واوصت المحكمة اذرع الشرطة بالتحقيق والكشف عمن ارتكب هذا الامر وتقديمه للمحاكمة جنائيا ومدنيا. جنبا الى جنب مع هذا ردّت المحكمة كل استئنافات وطعون علي سلام الاخرى بخصوص وجود عشرات ومئات الاصوات التي جرى عدم احتسابها لصالحه و/او احتسابها لصالح رامز جرايسي، فسلام لم يثبت هذا. ومعاينة بروتوكولات الصناديق التي يدعي حدوث هذا الامر فيها تنفيه.
ألغت المحكمة العليا بقرارها هذا قرار المحكمة المركزية من تاريخ 24/1/2014 الذي فنّد وجوب اعادة الانتخابات كما اوصى في حينه المستشار القضائي وطالبت به النيابة. ولكن العليا تبنت عمليا دحض المركزية لكل الاستئنافات الاخرى. ويُذكر ان سلام كان تقدم باستئناف على قرار المركزية للمحكمة العليا لم يرد فيه بالمرة مطلب اعادة الانتخابات. لكنه عندما رأى ان امكانيات نجاحه تساوي صفرا قام بعد استشارة محاميه، باجراء تعديل على الاستئناف للعليا وحصره بمطلب اعادة الانتخابات، لانه جرى فيها التصويت بدلا عن 11 ناخبا لم يقترعوا.
وكان وزير الداخلية جدعون ساعر اسرع من البرق في التعبير عن رضاه لان المحكمة العليا صادقت عمليا على موقفه وموقف المستشار القضائي للحكومة، ولان هذا يمنع المزيد من التوتير والاختلافات في الناصرة (من وتّر ومن سعّر الاختلافات يا معالي الوزير؟ ومن زوّر اصلا الـ 11 صوتا؟).
مهما يكن، اصبح المسار القضائي من ورائنا ومن المفروض على الجميع ان يلتزموا به. واقيّم عاليا قرار الجبهة، الذي صدر حال صدور قرار العليا، بانها تلتزم به مع انه لم ينصفها. بل اعلنت عن افتتاح حملتها الانتخابية للرئاسة المعادة والتي قرر وزير الداخلية اجراءها بتاريخ 11 آذار القادم 2014.
لكن الالتزام المطلق بقرار العليا لا يمنع حق الانتقاد لهذا القرار، ولا حق توجيه الاتهام بان هنالك رائحة سياسية تفوح منه. وانه يكاد يكون من المتعذر ان يصدر هكذا قرار لولا توصية ساعر ورئيس الحكومة نتنياهو والمستشار القضائي  بالمطالبة باعادة الانتخابات. وكانت النيابة لسان حالهم في المحكمة. كل هؤلاء تطاولوا على ارادة الناخب النصراوي وعلى الناصرة سياسيا، ولم يطرحوا مطلب اعادة الانتخابات الا بعد ان ظهر تفوق جرايسي على سلام بالاصوات.
قرأت بروتوكول محكمة العدل العليا الممتد على ثلاثين صفحة، ولاحظت في حيثياته قلق وشكوك القضاة بكل ما يخص تصرف سلام وطعوناته. تقرأ هناك على لسان القضاة ان سلام غمر المحاكم باستئنافات متتالية وغير مبررة، بل فتح "صندوق بندورا" عندما ظهر ان جرايسي تفوق عليه بعدد الاصوات، وتقرأ عن تخوف قضاة من ان القرار الذي توصلوا اليه (اعادة الانتخابات) قد يؤدي الى فوز مرتكب الخطيئة، وان الـ 11 شخصا "العجائبيين، الغرائبيين" (هكذا يسميهم احد القضاة) كلهم وعائلاتهم من مؤيدي وداعمي سلام وقائمة "ناصرتي"، ولم يتنكر لهذا ولم يقدم ردا يثبت بطلان الامر.
ويصل الامر لدى قاضية الى التعبير عن قلقها من لجوء منافسين انتخابيين الى ارتكاب الخطيئة  (التزوير في حالتنا والتصويت عمن لم يقترع) والاحتفاظ بالامر كورقة تحت "اباطه" او/و "جوكر" يظهرونه كورقة لعب  اساسية للطعن بنزاهة الانتخابات عندما يتأكدون انهم خسروا.
ويعلق قاض آخر على هذا الكلام بان هذا القلق يتعزز حين يقول سلام في المحكمة بان من ربح الانتخابات (يقصد نفسه، عند الاعلان الأوّلي للنتائج) لا يطلب التحقيق بتزييفها والاستئناف عليها! (نذكر ان جرايسي كان قد صرّح بخصوص استئناف سلام وطلبه اعادة الانتخابات بتصرفه كالحاوي الذي يخرج فجأة ارنبا من تحت قبعته، علما انه يدري من زوّر).


*القول الفصل*


تخفي قائمة "ناصرتي" وكل حلفائها ما اوردناه اعلاه من تحفظات وتحذيرات القضاة. ويخفون كذلك رفض المحكمة العليا لكل استئنافاتهم  الاخرى التي غمروا الناصرة بالادعاء بشأنها انهم ضحية مؤامرة الجبهة وتزويرها لارادة ولخيار الناخب، هم يبرزون فقط قرار اعادة الانتخابات ويقررون ان هذا مقدمة للفوز بنسبة.. 80%(!).
وكان الذي فاز برئاسة بلدية الناصرة، حتى يوم صدور القرار بإعادة الانتخابات، هو المهندس رامز جرايسي، وإن كان بنسبة 43% وبفارق تسعة أصوات فقط لصالحه. وبقيت كتلة "الجبهة" للعضوية الكتلة الأكبر في المجلس البلدي بحصولها على ثمانية أعضاء من أصل تسعة عشر عضوًا، وإن كان هذا بفارق عضو واحد عمّا حصلت عليه كتلة "ناصرتي" برئاسة علي سلام.
هذا فوز قديم لجرايسي وفشل قديم لسلام، منذ أن جرى فتح صندوق انتخابات محدودي الحركة بقرار من المحكمة المركزية بتاريخ 22.01.2014. لكن المحكمة العليا ألغت بقرارها هذه النتائج. لكنها وفي الوقت نفسه أبلغت عمليا "شرعية" فوز سلام بالرئاسة بناء على اعلان مأمور الانتخابات (قبل فتح صندوق ذوي الاحتياجات الخاصة) كذلك ردّت استئنافه بخصوص ادعاء احتساب عشرات الأصوات لصالح جرايسي زورًا.
لذلك يصحّ ويحق القول إن من اتهم الجبهة زورًا بالانقلاب على الشرعية وبعدم الالتزام بخيار الناخب، هو الذي أراد ذلك وفشل فيه. هذا رغم استعانته للانقلاب على الشرعية بحلفائه وائتلافه من قائمتي "الأهلية" (التجمع) و"الموحدة" (الإسلاموية). ولم يتورّع كل هؤلاء، بمن فيهم القوميون والإسلامويون، عن الاستعانة بوزير الداخلية الليكودي ساعر وبرئيس الحكومة نتنياهو وبمستشارها القضائي، علّهم يسعّرون ويُنتنون ويجيّرون القضاء لصالح فرض انقلاب مستهجن وعنصري على الناصرة وإرادتها وخيارها.
لكن صناديق الانتخابات هي التي تفرز نتيجة الانتخابات، لا السلطة القضائية. المحاكم، عُليا كانت أم مركزية، لا تقترع ولا تحصي أصواتا. وإنما هي تحكم في حال التوجّه لها بطعونات التماسية أو استئنافية تخصّ شرعية مسار عملية الانتخابات وما أسفرت عنه من نتائج. لذلك يكون قرار أعلى سلطة قضائية في البلاد قد أعاد القول الفصل لخيار الناخب في انتخابات الإعادة للرئاسة يوم 11 آذار.


*البلد أمانة*


استعملت أعلاه كلمتيْ "الفوز" و"الفشل"، لا "الانتصار" و"الهزيمة" في تقييم نتيجة الانتخابات قبل صدور قرار الإعادة. فازت "الجبهة"، لكنها لم تحصل على غالبية مطلقة من الأصوات لا للرئاسة ولا للعضوية. فشلت "ناصرتي"، لكن بفارق يكاد لا يُذكر كانت فيه الجبهة قاب شعرة أو أدنى (لا قوسين فقط) من الفشل. لذلك كانت هنالك رائحة هزيمة في انتصار الجبهة، ورائحة انتصار في فشل ناصرتي. ولم تنهزم أية قائمة كبرى في الانتخابات.
"المهزوم" الحقيقي في انتخابات 22 تشرين الاوّل 2013 هي الناصرة المدينة. وذلك بسبب كل ما رافق الحملة (المعركة؟) الانتخابية وتبعها من توتير وعنف كلامي وجسدي واعتداءات على حرمات البيوت وعلى قيادات جبهوية بالنار الحيّة والمولوتوف، وتحريض طائفي وممارسات بلطجية كادت تحرق النسيج الاجتماعي الوحدوي والحضاري لمدينة بأكملها.
كل التقدير والامتنان لمن حكّم العقل والمسؤولية الوطنية وضبط أعصاب مؤيديه ومنع الردّ على اللاعبين بالنار بالمثل. أما من لعبوا بالنار في سبيل كرسي الرئاسة وكراسي النيابة، فلم يحرقوا إلا شرعية استحقاقهم وملاءمتهم لأن يجلسوا عليها مستفردين بها. لأن البلد أمانة يا هؤلاء!
وطوبى لمن يعمل الآن، بغضّ النظر عن انتمائه الانتخابي، على تعميم الالتزام بانتخابات رئاسة قادمة بشكل حضاري وبمحاصرة وإزالة ما علق بالحيّز العام للمدينة وبفضائها وبعقول ونفسيات أهلها، خصوصًا أجيالها الصاعدة، من أدران وعصبيات وأحقاد.
وطوبى لمن يعي أن البلد ليست إما "أنا" أو "أنت". البلد نحن جميعًا، ونحن البلد. ومعًا نوحّد ونصون ونبني ونطوّر الناصرة. وعندها، وفقط عندها، تخرج الناصرة من هذه الانتخابات منتصرة. هكذا تأمن الناصرة ونأمن فيها.
الجبهة كررت التزامها بهذا أعلاه، ودعت إلى التزام جميع الآخرين به في الشهر الانتخابي الجديد حتى يوم 11 آذار وما سيعقبه. فهل يلتزم الآخرون به أم ستواصل "حليمة" عادتها القديمة التي انتهجتها منذ شهور، وما زالت؟


*عجيبة انتخابية*


من الأجدى بمن أصابته "الحمّى" فأعمت بصره وبصيرته في الأمس واليوم وقام ويقوم بدعوة أهالي الناصرة إلى تشييع جثمان الجبهة ودفنها، أن يضع على رأسه أكياسًا من الثلج، وألا يواصل أحلامه السوداء. الجبهة حية وقلبها ينبض، وخرجت من أصعب وأشرس انتخابات واجهتها، بكونها القوة الأولى في المدينة. والمطلوب الآن يا خصوم الجبهة، ليس أن يدفن أحد الآخر، وإنما الاتفاق رغم اختلافاتكم وخلافاتكم مع الجبهة على أن شعار "الناصرة أولا" يعني أن المصلحة الجماعية للناصرة ووحدتها الأهلية هي الأساس والنبراس.
والمطلوب من كل الساعين لإدارة بلديتهم وبلدهم، أن يعوا تاريخ ومصلحة بلدهم. لقد نصرت الناصرة الجبهة في الانتخابات البلدية على مدار أربعة عقود متواصلة. ومنحتها في الانتخابات النقابية الأخيرة الغالبية المطلقة من الاصوات لرئاسة وعضوية مجلس العمال ومجلس "نعمات". ومنحتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة للكنيست 51% من أصواتها، رغم أنها نافست فيها كل الأحزاب والقوائم العربية الوطنية الأخرى وعموم الخصوم والأعداء من الأحزاب الصهيونية قاطبة. فعن أي تشييع وقبر يهلوس المنافسون من ذوي القربى؟
نعم تراجع تحصيل الجبهة في الانتخابات الأخيرة للبلدية، بنسبة الأصوات وبعدد أعضائها في المجلس البلدي. ولكن لم يكن هذا التراجع الأوّل لها. فدالة تحصيل الجبهة في هبوط منذ انتخابات عام 1978 التي أعقبت انتخابات انتصارها الأول عام 1975. وراوحت نسبة فوزها بالغالبية المطلقة من الأصوات للرئاسة بين 51 إلى 53% فقط في آخر ثلاثة انتخابات سابقة لسنوات 1998، 2003، 2008. وخسرت غالبيتها المطلقة في العضوية لأول مرة عام 2003. هذا مع العلم أنه في الانتخابات منذ عام 1975 وحتى عام 2008، وعددها ثمانية انتخابات، غالبًا ما كانت تنافس الجبهة قائمة واحدة ومرشحًا واحدًا للرئاسة، ونادرًا قائمتيْن أو ثلاثا.
في الانتخابات التاسعة الأخيرة بتاريخ 22 تشرين الاول 2013، نافست الجبهة أربعة مرشحي رئاسة وخمس قوائم عضوية. وعانت من انسحابات من صفوفها وقضم أصوات من مؤيديها. علي سلام مرشح الرئاسة والعضو الثاني في قائمته محمد عوايسي كانا نائبين للرئيس جرايسي وانسحبا من الجبهة قبل شهور قليلة من موعد الانتخابات. وقائمة "شباب التغيير" للعضوية خرجت بغالبية مرشحيها من معطف الجبهة ومن أضلاع فرعيِ الحزب الشيوعي والشبيبة الشيوعية في الناصرة.
أي دخلت الجبهة تلك الانتخابات منقوصة. وكل القوائم المتنافسة مع الجبهة لم تنافس بعضها البعض بقدر ما نافست، بل تعاونت وتحالفت و/أو ائتلفت معًا بالعلن وبالسرّ على إسقاط الجبهة. لذلك ما من غرابة، في هكذا واقع للخارطة الانتخابية، في تراجع الجبهة. بل الغرابة في فوزها وعدم سقوطها المدوّي.
لن تستطيعوا أن تجدوا بلدة عربية أو يهودية واحدة في إسرائيل، ولا حتى في العالم أجمع، تكون فيها الانتخابات ديمقراطية والخارطة الانتخابية شبيهة بالخارطة النصراوية.. وتحدث فيها مثل هذه "العجيبة" الانتخابية.
لم تقع هذه "العجيبة" لأن "الجنرال" جرايسي" و"عساكر" الجبهة احتلوا المدينة بالقصف المدفعي وباجتياح الدبابات وبغارات الطائرات. وإنما أصحاب الجلالة والقرار، أقصد الناخبين، هم الذين اختاروا الجبهة للمرة التاسعة. ولا يمكن أن يحدث مثل هذا الأمر إلا بسبب ثقة المقترعين بمصداقية الخط السياسي والاجتماعي والوطني والتقدمي للجبهة. وبسبب انجازاتها في العمل البلدي. وبسبب عدم فسادها. وبسبب تصديها للطائفية وحرصها على النسيج الاجتماعي الوحدوي والديمقراطي للمدينة. وبسبب عدم رؤية الناخبين للمنافسين للجبهة بديلا أفضل منها.لا يعني هذا التقييم أنه لم يعترِ مسيرة الجبهة على مدار أربعة عقود بعض السلبيات والأخطاء.


*سقف المغارة*


لصالح المدينة والجبهة، على قادة الجبهة ألا يناموا على أكاليل الغار فرحة بإنجازها، وليس فقط لكونه منقوصًا أصلا. بل لأنه من الأجدى بها أن تهتمّ بأمر مبكياتها لا مضحكاتها. هنالك نقد حاد على الجبهة والبلدية في الشارع النصراوي، ليس من أعدائها أو خصومها او منافسيها فقط. بل أيضًا من قاعدة أعضائها ومن المصوتين لها.
أعرف شخصيًا مئات المقترعين الذين امتنعوا عن التصويت أو صوتوا بورقة بيضاء أو صوّتوا لمنافس أو لمنافسة يعتقدون أنهما أسوء من الجبهة، لا رغبة منهم بإسقاط الجبهة وإنما أملا منهم بصحوتها! وكان منهم مَنْ شبّه الأمر بإنسان أصابه الخدر فدخل مغارة سقفها منخفض فاصطدم جبينه بسقفها فأدمى فصحا. ارادوا أن تدمي الجبهة علّها تصحو فلا تدخل المغاور وتتخلص من السقوف المنخفضة في فكرها وممارستها وتنظيمها.
نعم توجد ظروف موضوعية وسياسية تعيق بعث وانبعاث الجبهة من جديد، وتلبية الخدمات البلدية للمواطن على أكمل وجه. لكن لا يصح أن يجري تعليق مختلف نواقص الجبهة والعمل البلدي على شماعة الظروف الموضوعية فقط. وما من شك أن العديد من السلبيات ذاتية وكان بالإمكان تلافيها. وكذلك هناك نقد صحيح بحق جبهة الناصرة وتحوّلها لما هو أشبه بملحق لعربة البلدية، بدلا من أن تكون طليعة سياسية واجتماعية في الشارع لا تتورّع عن نقد أخطاء إدارة البلدية، حين تُخطئ.
ثم يبقى الواجب الأساسي للأطر والأحزاب، خصوصًا التقدمية والعلمانية، ليس فقط تشخيص الواقع الموضوعي تشخيصًا سليمًا، وإنما مساءلة الذات الحزبية ماذا عليّ أن أفعل للحدّ من الأثر السيئ لهذا الواقع. وهذا الأمر يتطلب التجديد والتطوير فكرًا وممارسة وتكتيكًا وانفتاحًا، والعمل على جذب قوى جديدة والتخلص من قوى أخطأت وخطّأت. شاخت وأشاخت، تكلّست وكلّست. ويتطلب بُعد الرؤية والشجاعة والإبداع.
من المفروض بالأحزاب والحركات السياسية أن تعي أنّ مَن لا يرى واقع حاله، يعجز عن الرؤية والرؤيا. ومن يقدم اجوبة الماضي على أسئلة الحاضر، يخسر حاضره ومستقبله. ومن يعش على أمجاد الماضي دون اجتراح مبادرات جديدة، يصبح هو نفسه ماضيا. ومن ينفّر المثقفين من صفوفه، يجفّ حقله. ومن لا يستقطب الأجيال الشابة، يعجز ويشيخ. ومن يُعلي من شأن الالتزام التنظيمي المركزي على الأفكار والقيَم، يفقد بوصلته ويفقد الحاجة لوجوده أصلا. ومن يرى في الانتقاد الموضوعي انحرافا وانتهازية، يحكم على نفسه بالإفلاس. والجبهة التي تصبح خيالا وظلا وملحقًا لحزب، تكفّ عن كونها جبهة. والجبهة التي تصبح ملحقًا لسلطة بلدية، تفقد دورها كجبهة وكطليعة سياسية.
ومن، ومن، ومن.. فمتى تمنّ الجبهة على نفسها وعلى شعبنا بوضع كل ما قامت به في تجربتها ومسيرتها الطويلة أمام محكمة العقل التجديدي والنقدي؟ فإما أن يزول من الوجود أويبقى في الوجود. هذا ما أفرزته واستوجبته نتائج الانتخابات الأخيرة. هكذا لا يدفن عاقل رأسه في الرمال، ولا يتخدّر ولا يدخل مغائر سقوفها منخفضة.


*سرايا المسبيّة تناشدكم تحريرها*

والحق يجب ان يقال: ألاحظ ان جبهة الناصرة بغالبية عناصرها القيادية قد وعت درس الانتخابات. وهي تجري عملية  تجديد اصيل في كوادرها ونهجها بل قامت وقبل الانتخابات بترشيح 11 مرشحا شابا جديدا من اصل اول 12 مرشحا في قائمتها للبلدية. وما من شك عندي ان الانتخابات المعادة القادمة ستكون اما رامز او علي. وعلى الناخب ان يقرر من الاصلح والاقدر منهما على ادارة وتطوير البلد واعلاء وجهها الوطني والوحدوي. وبدأت اشهد في الناصرة منذ اليوم اندفاعا جماهيريا حتى من قبل قوى لم تصوت للجبهة في الجولة الاولى نحو الانتصار لرامز من باب الرغبة للانتصار للمدينة.
ماذا يفيد الإنسان إذا كسب الدنيا وخسر نفسه؟ لا شيء إطلاقًا. والناس في الناصرة ناس يا ناس، بشر، بنو آدميين يتوقون لمدينة تعلو فوق الخلافات والجراحات التي خلفتها حملة الانتخابات. وهم يسألون بعض الأحزاب والقوائم الانتخابية المنافسة والتي اضاعت بوصلتها الوطنية: ماذا يفيدكم إن كسبتم البلدية وخسّرتمونا البلد؟
أنا اللا منتمي للجبهة منذ عام 1988 ولا أنوي العودة لعضويتها، كما يتقوّل عليّ البعض كلما كتبتُ كلمة حق بحقها، أشيد عاليًا بموقف الجبهة منذ أن وقع الاختلاف بخصوص نتيجة الانتخابات وجرى التوجّه للقضاء. وكذلك بمواقفها بعد صدور قرار المحكمة العليا. أعلنت الجبهة وتعهدت مرارًا انه بغضّ النظر عمّا سيُسفر عنه المسار القضائي من قرار أنصفها أو لم ينصفها، ستلتزم به وتدعو الآخرين أيضًا لهذا. وأحصيتُ 28 بيانًا ومقابلة وتصريحًا للجبهة، تكرر فيها هذا الالتزام وهذه الدعوة. وها هي تكرره بعد عدم انصافها من قبل المحكمة العليا. ومن كثرة ما جرى تكراره رأى البعض فيه انبطاحًا يمسّ بكرامة الجبهة والمدينة، ودليل خوف.
لا، لم يكن هذا دليل خوف أو انبطاح. وإنما كان وما زال دليل مسؤولية وطنية وحكمة وشجاعة. ودليل مقدرة إنسانية وأخلاقية على ضبط الذات وبلع المرارات ورفض الانتقامات. هكذا يتصرف مَن يضع اعتبار تعميق وحدة المدينة وتطويرها وصيانة نسيجها الاجتماعي الأهلي المشترك والجامع فوق أي اعتبار آخر فئوي. والأمل كبير بان يرتقي الآخرون، واولهم قائمة "ناصرتي"، إلى هذا ويلبون نداء مدينة تريد أن يمرّ هذا الشهر الانتخابي الجديد بدون أي مسّ إضافي بوَحدتها وبحضاريتها. ومبروك لمن سيفوز.
هكذا، تعود للمدينة مدنيتها وتتعزز وَحدتها. هكذا يحرر النصراويون "سراياهم" المسبية من قبل "الغول". هكذا تنتصر الناصرة على هزيمتها.



(يتبع في مقال قادم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشموخ والتصدي افضل رد

featured

بين الانتماء إلى المعركة الاجتماعية وأدلجة ضيق الأفق !

featured

فجأة ينادون بالمساواة

featured

الوشائج الحقيقية بين التراث والقومية العربية

featured

طلائع المعلمين: كل الحب وأفضل التكريم

featured

تحية لبلال والعار للاحتلال

featured

الجبهة تنطلق نحو نصر مؤزر..

featured

في ذكرى النكبة "ثورة حتى العصر"..!