المنهج المسلكي الذي اتخذته حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك – يشاي اليمينية من مؤتمر فتح السادس له مدلول سياسي يكشف مدى عداء حكومة الكوارث لأية تسوية سياسية عادلة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. ففي فترة التحضير للمؤتمر، خاصة قبل عدة ايام من انعقاده لجأت حكومة الاحتلال والاستيطان ووسائل الاعلام والدعاية المجندة في خدمة سياستها العدوانية الى التضليل المنهجي المشحون بالاكاذيب والشنشنة التشكيكية السافرة حول طابع المؤتمر السادس لحركة فتح ومدلول نتائجه السياسية المرتقبة! عملوا على تسويق دعاية مغرّضة وكأن حكومة نتنياهو اليمينية ترمي بثقلها لمساعدة فتح وخاصة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية في انجاح المؤتمر السادس، ولهذا سمحت سلطة الاحتلال الاسرائيلي بعقد مؤتمر فتح في مدينة بيت لحم المحتلة،وسمحت بدخول مندوبي فتح من سوريا ولبنان والاردن للمشاركة في المؤتمر، كما روّجت بشكل تضليلي كأن حكومة اليمين الاحتلالية نسقت مع قادة فتح والسلطة والرئيس محمود عباس في الضفة الغربية حول طابع المؤتمر السادس وبشكل يوحي وكأن المؤتمر، وحتى قبل انعقاده، مدجن من حيث مدلوله السياسي اسرائيليا وامريكيا.
ان هذا المؤتمر سيقوي تيار "الاعتدال" الفلسطيني المستعد للتسوية السياسية بشكل "يرضي" ارباب الاحتلال الاستيطاني، ويعزل ارباب التطرف الارهابي لحركة وسلطة حماس في قطاع غزة ويدفع عملية "السلام الاقليمي" الامريكية بشكل يخدم مصالح الاحتلال الاسرائيلي وينتقص من ثوابت الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية.
ان المنهج التضليلي لحكومة الاحتلال الاسرائيلي الذي يوحي بانه يحتضن الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية والتيار "المعتدل" في فتح لا يستهدف ابدا، كما يدعي المحتل،مساعدة وتعزيز مكانة محمود عباس والسلطة الفلسطينية في مواجهة حماس وبهدف التقدم نحو تسوية الحل الدائم العادل للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني!! بل الهدف المركزي من وراء حملة التضليل والتشكيك هذه هو اضعاف مكانة الرئيس محمود عباس بين الشعب العربي الفلسطيني وترسيخ الانقسام بين فتح وحماس، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى يتسنى للمحتل الاسرائيلي ابتزاز مكاسب سياسية من السلطة الفلطسينية في رام الله والسلطة غير الشرعية لحماس في قطاع غزة، وبالتالي فرض منع قيام دولة فلسطينية مستقلة للشعب الفلسطيني على كامل التراب الوطني المحتل منذ السبعة والستين واسقاط القدس الشرقية عاصمة وحق العودة للاجئين الفلسطينيين المسنود بقرارات الشرعية الدولية.
عندما بدأت تبرز، ومنذ الايام الاولى لسير اعمال مؤتمر فتح السادس، ان الرياح التي تهب في اروقة المؤتمر لا تجري ابدا كما توخى وراهن ارباب الاحتلال الاستيطاني لذلك انطلق عواء الذئاب المفترسة من وكر حكومة نتنياهو اليمينية بتهديد الضحية الفلسطينية بمواصلة الجرائم ضدها.
* خيبة امل في محلها!
ان اكثر ما اغاظ حكومة نتنياهو اليمينة هو النفس القوي الذي انطلق من صدور المشاركين في مؤتمر فتح والمتمسك بثوابت الحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية، الحق بالحرية والدولة والقدس والعودة، والرفض الصارخ والمطلق للاشتراطات والشروط الاملائية للمحتل الاسرائيلي المتعلقة بيهودية اسرائيل وبتهويد القدس وبرفض حق العودة. فمن خلال "النظارات السوداء" لعميان البصيرة انطلق نعيق غربان حكومة الاحتلال والاستيطان والفاشية والترانسفيرية العنصرية في مأتم جنائزي ينعون مصير عملية سياسة اخمدوا انفاسها واغتالوا حقها في الحياة قبل انعقاد مؤتمر فتح السادس. انطلقت غربان الشؤم من وكر حكومة الكوارث اليمينية تحرض على مؤتمر فتح وما ينتج عنه من زئير اسد الحق الفلسطيني المشروع لتتخذ من زئير الحق هذا ذريعة تبريرية لمواصلها جرائمها الوحشية ضد الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة، ضد البشر والحجر والارض والشجر في المناطق المحتلة. ففي الثامن من شهر آب اليوم الرابع من مؤتمر فتح، انطلق من خلف النظارة السوداء نعيق اول غراب من وكر حكومة الكوارث اليمينية اطلقه الوزير اليميني الليكودي المتطرف يوسي بيلد، فالذي "عص على ذنبته" واغاظة هو صدور اول وثيقة سياسية عن مؤتمر فتح تؤكد التمسك بحق السيادة السياسية – الاقليمية الفلسطينية على القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المرتقبة. فبوقاحة استعمارية كولونيالية انطلق يوسي بيلد عبر الاذاعة العبرية الثانية مهددا بقوله "ان تشبث مؤتمر فتح بالقدس وباللاجئين يثبت عدم وجود شريك فلسطيني، وبذلك لا يمكن للفلسطينيين ان يكونوا شركاء في عملية التفاوض مع اسرائيل، وان الصورة المتبلورة من مؤتمر فتح السادس تدل على انه لا يوجد شريك سلام في الجانب الفلطسيني"!! يعني هذا من حيث المدلول السياسي كما يقول المثل "يا بركبك وبمد رجلي عليك لا بعتب عليك". والشعب الفلسطيني المكافح ليس مطية او اتانا او حمار) ليخنع ولتعتلوا ظهره يا اقزام آخر الزمن.
وعندما بدأت الصورة تتضح اكثر حول تمسك فتح بالثوابت الوطنية الفلسطينية الجوهرية غير القابلة للتصرف، "فاعت الدبابير" من مدبرة حكومة الكوارث اليمينية "توزوز" مهددة بالقرص السام. ففي التاسع من شهر آب انطلق وزير "الامن" ورئيس حزب "العمل" ايهود براك مؤكدا "ان مؤتمر فتح مخيب للآمال وغير مشجع لانه ليس في الشرق الاوسط وسيلة اخرى سوى الجلوس لابرام اتفاق حول برنامج سلام"!! واقرأ يا مجرم الحرب والمجازر ضد الفلسطينيين وقادتهم "اقرأ هذه الصورة على قفاك المقعورة"، فالتفاوض يكون على قاعدة مبادئ "قوة الحق" وليس حق القوة والبلطجة العدوانية العربيدة التي تنتهجها حكومتكم واحتلالكم لحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية والاستقلال الوطني، فمفاوضات "طحن الماء" لبلورة سلام الاستسلام الذي يصادر الحقوق الوطنية الفلسطينية وينتقص من الثوابت الجوهرية ليس سلاما ومرفوض فلسطينيا وشرعيا. اما المستوطن اليميني المتطرف والفاشي العنصري والوزير في حكومة نتنياهو، وزير الاعلام يولي ادلشتاين فقد صرح "اننا نرى في برنامج فتح ليس اقل تطرفا من برنامج حماس، وهذا امر مقلق لأنه يضر بامكانية تسوية مع قيادة السلطة الفلسطينية"!!
رئيس الحكومة الذي لا ينافسه احد ويزاود عليه في التضليل الديماغوغي فانه من خلف نظارته السوداء وبصورة تبدو وكأنها غير مباشرة تطرق الى الطابع السائد في مؤتمر فتح السادس، وذلك من خلال تقييمه وتطرقه الى اعادة الانتشار والانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة، بمناسبة مرور اربع سنوات على الانسحاب احادي الجانب. ففي جلسة الحكومة المنعقدة يوم الاحد الماضي في التاسع من شهر اب. فحسب رأي نتنياهو ان هذا الانسحاب "كان خطأ ولنيتكرر"، وان الانسحاب من قطاع غزة "لم يجلب لنا السلام ولا الامن وهذا القطاع تحول الى قاعدة تسيطر عليها حماس الموالية لايران. ولن نرتكب مثل هذا الخطأ مجددا"!! فمن حيث المدلول السياسي يعني هذا انكم يا فلسطينيين "حططوا عن بغلتكم" لن نخلي المستوطنات من قطعان المستوطنين الداشرةـ ولن تتنازل حكومة الاحتلال عن مواصلة الاستيطان.
وفي جلسة مجلس الوزراء المذكورة عاد نتنياهو وكرر الشروط الاملائية التعجيزية الاسرائيلية لمفاوضات الحل الدائم والتي في مركزها مطالبة الفلسطينية والعرب الاعتراف باسرائيل كدولة الشعب اليهودي، وان يكون "الكيان" الفلسطيني الذي سيقوم منزوعا من السلاح. يعني بصراحة ان يفرط الفلسطينيون ويوافقوا على شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى وطنهم وشرعنة مصادرة الحق القومي والوطني للاقلية القومية العربية الفلسطينية الاصلانية في اسرائيل بالوطن والمواطنة وشرعنة الترانسفير العنصري لترحيل المواطنين العرب وتطهير اسرائيل عرقيا من اهل فلسطين الاصليين. ونتنياهو ليس من وليد الصدفة انه اكد على قيام "كيان فلسطيني"وليس دولة فلسطينية لان مخطط وبرنامج حكومته يرمي الى تهويد وضم القدس الشرقية وضواحيها وفرض جدار العزل العنصري ومثل الاستيطان والطرق الالتفافية بحيث لا يبقى بأيدي وتحت تصرف أي كيان فلسطيني سوى جزء هزيل اشبه ما يكون بالكنتونات الممزقة الاوصال فيما بينها ومنزوعة السلاح، وتحت رحمة المحتل الاسرائيلي.
وبهذه الشروط الاستعمارية لن يجد فلسطينيا يوافق على الانتحار الذاتي ويخلد العبودية تحت كوابيس وجرائم المحتل الاسرائيلي.
ولم يتخل عن ركب الذئاب في العواء التحريضي التضليلي وزير الخارجية ورئيس حزب "اسرائيل بيتنا" الفاشي العنصري افيغدور ليبرمان المتهم بالفساد والاختلاس وغسل الاموال. ففي لقائه مع وفد مؤلف من تسعة وعشرين عضوا من الحزب الدمقراطي في الكونغرس الامريكي صرح ليبرمان امامهم "يديعوت احرونوت" 11/8/09 بما يلي "ان المواقف المتطرقة غير القابلة للتنازل للفلسطينيين تخلق فجوة بينهم وبيننا لا يمكن جسرها. ولهذا قادة السياسة الاسرائيلية يجب ان تقوم على وقائع وليس على خيالات، فمن خلال المحافظة على الحوار بيننا وبين الفلسطينيين، فان تحسين الاجراءات الامنية والوضع الاقتصادي للفلسطينيين هو الحد الاقصى الذي يمكن تحقيقه في السنوات القريبة"!! ولم يتخلف عن جوقة الشؤم وزير الداخلية ورئيس حركة شاس الراب ايلي يشاي، الذي صرح بانه يجب مواصلة العملية الاستيطانية في الضفة الغربية بالرغم من معارضة ادارة اوباما الامريكية، وانه يجب المباشرة في الاستيطان بين القدس الشرقية ومستوطنة ادوميم لاكمال مخطط تهويد القدس وتمزيق الوحدة الاقليمية بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. ورئيس الكنيست الليكودي روبي ريفلين الذي رافق ايلي يشاي في جولته الاستيطانية وعزز اقوال يشاي بقوله "لا توجد قدس بدون معاليه ادوميم كلاهما حزمة واحدة".
هذا ما كنا نتوقعه من ارباب حكومة الاحتلال والاستيطان ولم تخيب تصريحاتهم العدوانية آمالنا. كما لم تخيب امال بعض الاصوات الدمقراطية المتعقلة في الشارع اليهودي. ففي يوم 10/9/09 نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت" موقف احد العقلاء من مؤتمر فتح، يريف اوفنهايمر سكرتير عام حركة "السلام الآن" تحت عنوان "الامل من بيت لحم". جاء فيه "أي خيبة امل، أي ضربة لانصار السلام، مؤتمر فتح في بيت لحم لم يعترف باسرائيل كدولة يهودية، ولم يعتمد اللغة العبرية كلغة رئيسية ولم ينته بنشيد "هتكفا"! الفلسطينيون بقيوا كما هم فلسطينيون، شعب مضطهد وملاحق يطالب بالاستقلال وبدولة الى جانب اسرائيل، ولكن بدون دعم الفكر الصهيوني وبمبادئ الدولة اليهودية. فمن يعتقد ان الفلسطينيين سينضمون كاعضاء الى الكونغرس الصهيوني ويقسمون الولاء لدولة اسرائيل اليهودية فسيجد الاسباب لخيبة الامل"! وفي سياق مقالته ينتقد بشدة السياسة الاستيطانية ويؤكد انه مَن يطالب الفلسطينيين الاعتراف بيهودية الدولة والتنازل عن القدس الشرقية وعن دولة مستقلة قابلة للحياة فانه لن يجد له شريكا فلسطينيا يقبل بذلك ويوافق على محمية تحت السيطرة الاسرائيلية. لكن هذا الرافض الموقف لم يخرج عن الاجماع الصهيوني في الموقف الرافق لحق العودة للاجئين الفلسطينيين الى مسقط رأس الاباء والاجداد في وطنهم.
لينفلق كل من اصابته الخيبة من مؤتمر فتح، فالصراخ على قد الوجع يا حكومة الكوارث، ويسرنا المواقف المتمسكة بثوابت الحق الفلسطيني التي تمخض عنها مؤتمر فتح، ولكن يبقى المحك كيف ستجسد هذه المواقف على ارض الواقع!
