ولأننا ما بين مدعاة التأمل والفضول والاندهاش وبين ضروب مختلفة من تصدع الجدران واصابتها بشقوق، كان ذلك في أواخر السنة الدراسية عام 1989-1990، كنت على مشارف أنهاء سنتي التعليمية ألاولى في جامعة القانون الدولي على اسم تراسا شفتشنيكا في مدينة كييف (الاتحاد السوفياتي انذاك)، وكانت سنة تعلم اللغة او سنة "البدفاك" كما كنا نسميها.
حينها علمت بان السيد سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سيقوم بزيارة مدينة كييف من أجل المشاركة في احتفالية حركة فتح.
قررت أن أشارك في الاحتفال بالرغم من اننا كنا ممنوعين من المشاركة في احتفالات كهذه، مع ذلك صممت على المشاركة مهما بلغ ثمنها.
وفعلًا توجهت الى مسؤول حركة فتح في مدينة كييف (ح.غ)، وأعلمته بأنني سأشارك في الاحتفالية، أذكر حينها كيف ارتسمت علامات الاستغراب على ملامحه، هو ابن مدينة سخنين الجليليه بلد الشهداء وبلد الكرم والصمود، التي هُجر منها هو وأهله سنة 1948 الى مخيمات الشتات في سوريا ولبنان وقال لي بلكنته الفلسطينية اللبنانية "راح تجيب المشاكل لحالك" لكني طمأنته حيث أجبته: "لا تهكل هم وأعلمني بالزمان والمكان"....
لا أعلم من أين أتى هذا الالحاح في مقابلته ولم يمض على معرفة ملامحه شيء، بيد أن قلوبنا شاطئ يرحب بالغرباء الذين يقفون في المنتصف بين الضفاف والشغاف.
حضرت بالوقت المحدد، دخلت القاعة التي امتلأت بالحضور، كان مسؤول الحركة يقف على خشبة المسرح، ناديته وكان على عجلة من أمره وقال لي: ماذا تريد؟ طلبت المشاركة وها أنت مشارك، ماذا بعد؟
- أريد مقابلة السيد سليم الزعنون.
- زودتها يا رجل...
- أنا مُصر!
ضج وجهه بالألوان وقال وهو على استعجال: انتظرني قليلًا...
دخل من وراء الستار المتدلي على خشبات المسرح وبعد قليل عاد مسرعًا وقال: تكلمت مع أبو رياض - سليم الزعنون - وأخبرته بأمرك، فطلب أن تحضر اليه قبل أن يبدأ الاحتفال!
صعدت درجات المسرح وأنا في حالة من الانفعال والاندهاش، أدخلني ما وراء الستار وقام باصطحابي الى غرفة جانبية هي غرفة السيد سليم الزعنون... بدا مبتسمًا، طرحت عليه السلام وصافحته فضمني اليه وعانقني ثم سألني: من أين أنت يا أبني؟ - أنا من الجليل، من منطقة عكا، وتحديدًا من قرية ميعار المهجرة. ميعار من سكنها لا ينسها، ومن لم يرها يتذكرها في المستقبل فتكون هي الدليل القاطع على وجودها...
- أعرفها جيدا، وقسم من أهلها يسكنون في بعض المخيمات في الجنوب اللبناني...
لم تزد المسافة بيني وبينه على طول ذراع، لكن هناك ملامح ما ان تقع عيوننا عليها حتى تبدو وكأنما كانت معنا طول الوقت، كأنها جزء منا أو داخلنا وليست شيئًا خارجًا عنا.
شكرت صديقي مسؤول حركة فتح (ح.غ) جزيل الشكر، وعدت ادراجي الى مساكن المدينة الطلابية وأنا في غاية من الانفعال والانبهار والسرور في أنٍ...
وبعدها بثلاثة أشهر علمت بان "الحكيم" السيد (ج.ح) سيزور موسكو، وطبعًا أنا أعشق الحكيم أكثر من عشقه لفلسطين فقررت أن أسافر الى موسكو لكي أراه... ركبنا قطار كييف موسكو وسافرنا أنا و... الى موسكو لمقابلة حكيم فلسطين.
وعن هذا اللقاء سأروي لكم مطولًا...
(كابول)
