وردة فلسطينية في وداع سراماغو

single

سراماغو مع الراحل ياسر عرفات، وسفيرة فلسطين في الاتحاد الأوروبي (حاليًا) ليلى شهيد

*وجه، عينان، وجوه، عيون، ناس، ظلم، بصر، بصيرة وجرأة. شروط أساسية لصياغة الموقف الأخلاقي. هذا كاتب يرفض الدبلوماسيات الفارغة. لا يهتم بالسير بين النقاط كي يحافظ على صورة استهلاكية غائمة ومجدية تلائم الجميع وتظلّ تحظى بالقبول البلاستيكي المتوسّط*

كتابة نظيفة من سخافات السوبرمان. هناك سياق اجتماعي-سياسي دائمًا. وكذلك: موقف. بنيانه الفني ليس هيكلا متحفيًا ما-بعد-حداثيّ عظيم الجمال والبرد. بل إنه بيت يوميّ قد تجده في لشبونة أو حيفا وفيه رائحة حياة وبصمات وملامح ودفء بشر.

حين سمعت خبر وفاة الكاتب البرتغالي جوزيه سراماغو، كان بين ما أقرأه كتابه "ذكريات صغيرة". فصول بسيطة غير متأنقة من صباه في قريته الأولى. سرد لسيرة ذاتية يقارب السرد الروائي دون أن يغوص فيه. قبله بالضبط كنت أبحرت على متن روايته "الطوف الحجري" حيث فصل شبه الجزيرة الايبيرية عن أوروبا ليتمكن من الوصول الى نقطة إطلال على العلاقة الشائكة مع هذه القارّة.
أسرفتُ مؤخرًا في الحديث عن سراماغو لصديقة وصديق، حدّ الإزعاج كما أتخيّل. ربما لأن كتابة سراماغو لا يكفيها فعل القراءة الفردية. هناك ما يظل يدعو(ني) ويستدعي(ني) الى استعراض ما قرأت بصوت عالٍ، وليس أمام المرآة. فالأمر لا يلائم الكتابة السراماغويّة أصلا. ليس هناك بطل متفرّد/انفراديّ/ فردانيّ. لا متسع لنركيسيوس هنا. هذه كتابة نظيفة من سخافات السوبرمان. هناك سياق اجتماعي-سياسي دائمًا. وكذلك: موقف. بنيانه الفني ليس هيكلا متحفيًا ما-بعد-حداثيّ عظيم الجمال، والبرد! بل إنه بيت يوميّ قد تجده في لشبونة أو حيفا وفيه رائحة حياة وبصمات وملامح ودفء بشر.
أشبه بكثيرين، كما أتصوّر، تعرفتُ على أدب سراماغو من خلال عمله المثير للقشعريرة، "العمى". نصٌ مفتوح على احتمالات تأويل غير محددة. وإن كانت الرواية ذات فضاء ومعمار محددين، أو أنها خيال يتفاعل في واقع شديد الملموسية كما كتب أحد النقاد، فهي كأنما تحيل الى مقاطع ضخمة من التاريخ البشري النازف، قتلا وقمعا وإذلالا، حين يفقد بشرٌ إنسانيتهم وينحدرون في التوحّش. في سياق الرؤية/العمى، يحضرني هنا الفيلسوف الفرنسي (اليهودي) عمانويل ليفيناس الذي حدّد الوجه كأساس لأية علاقة إنسانية؛ فهو ليس مجموعة الملامح التي يتفرّد بها الفرد فحسب وإنما عنوانُ الانسانية. الوجه شرط لوجود المعايير الأخلاقية بين البشر. الوجه رديف الحياة، وبغياب تعابيره يكون الموت قد حلّ على صاحبه. في "العمى" غابت الوجوه عن أعين الذين ضربهم "العمى الأبيض" فجرى تغييب الوجوه التي لم تعد قادرة على الرؤية. تم نزع الانسانية عن العاجز عن رؤية الوجوه من خلال زجّه في معزل، ففقد أهل السلطة وجوههم، أيضًا، وانبقر في المشهد جرح أخلاقيّ رهيب.
حين حضر سراماغو مع عدد من حائزي جائزة نوبل للأدب إلى بلادنا مطلع الانتفاضة الثانية، لم يكن أمامه سوى التمعّن في الوجوه. لم يوافق أن يقبل بـ "العمى الأبيض" أو غيره. تمعّن فرأى جيشًا مدججًا يمارس جرائم بشعة بحق مدنيين عزّل بحجة "الارهاب" (خلال ذروة هيمنة عقيدة بوش-تشيني-رامسفيلد الأمريكية، "مكافحة الارهاب"). بصر سراماغو وبصيرته لم يمارسا أيّ فعل خيانة؛ لا خيانة المثقف ولا خيانة الشاهد بعينيّ وجهه على الجريمة، فأطلقها واضحة عالية حادّة: ما أراه في المناطق الفلسطينية المحتلة يذكّرني بأوشفيتس (معسكر الابادة النازي)!
كالمتوقع ثارت يومها ثائرة "الوطنجيين" من الاسرائيليين الصهاينة والمتأخلقين المتثاقفين بينهم.. لكن سراماغو لم يتلعثم، وقال في مقابلة لصحفيّة إسرائيلية يومها: "أعرف ان كلمة أوشفيتس تسبب صدمة في اسرائيل. لقد قصدتُ إحداث تحوّل في المجتمع الاسرائيلي وجعل أبنائه يتساءلون عما يفعلونه في المناطق المحتلة (...) لقد  قلت ما كان يجب عليّ أن أقوله. أنا لا أخاف من الحقيقة. وحدهم الأموات المستقبليون بشكل زائد، هم من يخيفونني".
وحين سألوه عما رآه في متحف الكارثة الاسرائيلي "يد فَشيم" لم يتردد: كنت هناك ورأيت وبكيت كالطفل، ولكن بنفس القدَر ملأتِ الدموع عينيّ حين رأيت ما رأيته في رام الله (...) حين أتجول في رام الله وأكتشف نساء يلدن على الحواجز؛ مدنيين فلسطينيين يفقدون حياتهم في الطريق لتلقي علاج طبي؛ التنكيل والقمع والاذلال المنهجي الذي يتعرض له فلسطينيون من قبل الجيش الاسرائيلي؛ أرض الفلسطينيين المصادرة منهم بالقوة وهم يرون المستعمرات تنمو فوق ما كان مرة بيوتهم – فكيف يمكن أن نسمي هذا بالضبط؟
وجه، عينان، وجوه، عيون، ناس، ظلم، بصر، بصيرة وجرأة. شروط أساسية لصياغة الموقف الأخلاقي. هذا كاتب يرفض الدبلوماسيات الفارغة. لا يهتم بالسير بين النقاط كي يحافظ على صورة استهلاكية غائمة ومجدية تلائم الجميع وتظلّ تحظى بالقبول البلاستيكي المتوسّط. لم يتخلّ عن فكره ومبادئه. عند تلقيه جائزة نوبل قال متهكمًا: "اعتاد الناس أن يقولوا عني إنه إنسان جيد، لكنه شيوعي. وهم يقولون الآن إنه شيوعيّ، لكنه إنسان جيد"! وبعد زيارته تلك الى الضفة الغربية المحتلة واصل المحاججة على الرغم من الهجمة الشرسة عليه، وكتب نصًا ناقش فيه الشعب اليهودي الذي تنطق اسرائيل الرسمية باسمه، اليوم. وتحت عنوان "من أحجار داوود الى دبابات جُليات" ناقش الأسطورية التاريخية عن الشخصيتين/الرمزين، داوود وجُليات، مبينًا كيف انتقل الحجر والمقلاع الى يد الفلسطيني لأن أحفاد داوود اعتلوا دباباتهم وانقضوا عليه. فكتب: "إن داوود الزمان القديم ذاك يحلق الآن بطائرات الهيليكوبتر فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطلق الصواريخ على الأبرياء العزّل، داوود العصر المنصرم ذاك يقود أحدث دبابات العالم وأقواها ويسحق ويفجّر كل ما يعترض طريقه. داوود الملحمي ذاك أعيدَ تجسيده الآن في صورة مجرم حرب يدعى أرئيل شارون، يطلق في وجوهنا بكل تبجّح رسالة "شعرية" دقيقة، مفادها أنه يجب القضاء على الفلسطينيين أولا، ثم التفاوض مع من يبقى منهم ثانيًا".
لم يفت سراماغو دجَل المؤسسة الاسرائيلية التي تبرّر جرائمها بحق الفلسطينيّ بضحويّة كاذبة منسوبة الى ما وقع من أهوالٍ بحق اليهود في معسكرات النازية الأوروبية. بل صاغ رفضه لهذه الديماغوغية بحدّة ودقّة ووضوح:
"وإني أتساءل لو أن اليهود الذين فقدوا حياتهم في مراكز التعذيب النازية تلك، وهؤلاء الذين ظلوا مطارَدين على مرّ عصور التاريخ، والذين انغلقوا في أحياء "الغيتو" الفقيرة – ترى لو أن هذه الجموع الهائلة من البائسين رأت الأفعال الدامية التي يقوم بها أحفادهم الآن، ألن يشعروا بالخزي والعار؟ أوليست المعاناة الشديدة هي دائمًا أقوى دافع كي لا نتسبب في معاناة الآخرين؟".
لو تعاطى الإسرائيليون مع هذين السؤالين فقط، بجديّة وجرأة، سيكون بوسعهم الخروج من الدوامة القاتلة التي تفرضها عليهم وعلينا مؤسستهم الحاكمة التي تحوّلهم الى لحم لمدافعها. لو وضعنا مرآة أمام هذه الجملة لظهر فيها ما يلي تقريبًا: لن يهنأ عيشٌ للاسرائيلي ما دام يمرمر حياة الفلسطيني. هذا ليس موقفًا سياسيًّا حتى، بل إنه منطقٌ بسيط جدًا. آمل أن يحلّ يوم يستيقظ  فيه الاسرائيليون ليقولوا: شكرًا سراماغو على هذين السؤالين..

قد يهمّكم أيضا..
featured

مأزق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلة للطرفين ( 1 )

featured

أجيال من المتطوعين في انتظار الإشارة!!

featured

خطة الحرب ومسألة التوقيت

featured

كاسترو واجترار الدعاية الأميركيّة

featured

"تنازلات" نتنياهو. وسخافاته!

featured

"الشيوعي اللبناني" يستعدّ للانتخابات: تشكيل ائتلاف معارض

featured

أبو حسين المواسي وعيد الفصح