سلمان ناطور، هبوط اضطراري... وما نسينا

single

غيّب الموت على حين غرّة، وقبل الأوان، دون سابق إنذار، شخصيّة فذّة من مجتمعنا العربي الفلسطيني في الدّاخل، ألا وهو الكاتب المعطاء: سلمان ناطور ابن دالية الكرمل والوطن بِشَطْرَيْهِ وشتاته، وهو في أوج العطاء والسّخاء والإباء، تاركًا إرثًا روحيًّا، فكريًّا، أدبيًّا، وطنيًّا، اجتماعيًّا، انسانيًّا وأخلاقيًّا معًا، هذا الكاتب الذي عايش كافّة الحروب العدوانيّة على أبناء شعبه الفلسطيني، منذ ولادته من رحم النّكبة حتى المجازر الدّمويّة الأخيرة والإعدام ميدانيّا!، دون محاكمة صوريّة في بلاد تدّعي الديمقراطيّة، العدالة والمساواة.
تعود بنا الذاكرة الى روايته: أنتَ القاتل يا شيخ، 1976، حيث سلّط الأضواء على مأساة التّجنيد الإلزامي المفروض المرفوض على أبناء طائفته المعروفيّة المُسْتَضْعَفَة في بلاد: السّمن والعسل! حيث يقتل الأخ أخاه في معركة مفروضة عنوة، لهما ناقة وجمل فيها، ووطن ذبيح من الوريد الى الوريد، لكن من الجانب الانساني، حيث يُفْترض أن يكون الأخَوان معًا في نفس الخندق، دفاعًا عن حياض الوطن المسلوب، والمهر المطلوب غيبيًّا وسلفيًّا وسلفًا من قِبَل والد عروس المستقبل هو: قتل الأبرياء من خلف الحدود، والحصول على وثائق نظريّة وعمليّة تُثبت ارتكاب جريمة المهر الممهور بالدّم النّقي، إثباتًا للعمالة والخيانة وإشباع غريزة الانتقام والعدوان على الأبرياء المُسْتَضْعَفين.
كيف لنا أن ننسى حكايات: وما نسينا والرّجل المُشَقّق الوجه الذي يحمل مأساة شعبه على ظهره على... في بلاد الله الواسعة، جعل من الرّواية الشفويّة رواية مدوّنة ليس في الأرشيفات وحسب! بل على مسارح البلاد وخارجها: الناصرة، يافا، القدس والحكواتي... ذاكرته، وَهَزّة غرباله، سيّان أكان ضابوطًا أم فاروطًا، وهبوط اضطراري لتضميد الجراح من القيح والعمل مع الأمل، بحثًا عن المساواة، العدالة والإعلام، ثمّ آفاق وحقوق ثقافيّة ، جاعلًا من نفسه الكاتب، المُخرِج، كاتب السّيناريو والطّاقم الفنّي معًا، وهذا عناء ومجهود وتفانٍ، قَلّ وَنَدرَ أن يحمله فرد واحد، ولكن سلمان قَدّها وزيادة، جمل المحامل، يكتب سيرة الوطن، دون دوبلاج، إضاءة، مؤثّرات صوتيّة وَخِدَعٍ مَرْئِيّة، كلّ ما قدّمه من صميم النّكبة التي يصعب على البعض الاعتراف بهولها ومآسيها.
سلمان المثقّف الجامعي: أبو إياس! وما أدراك بِإياس الذي درجت أخباره ومواقفه على أفواه العقلاء والبُسطاء، درس اللغة العبريّة وأجادها: نطقًا، كتابة وترجمة، ليقول للظالم: يا ظالم بلغته وفي عقر داره، دون لفّ أو دوران، أو الاختفاء خلف قِناعات الرّيبة دون هيبة، يُترجم عيون الأدب العبري لِنُخبة من الكُتّاب العبريّين: الزّمن الأصفر لِـ دافيد جروسمان، مُحادثات عن العِلم والقِيَم لـ ِللبروفسور الرّاحل: يشعياهو ليبوفيتش...يعرف من أين تؤكل الكتف، بوس الأيادي والضحك على الذّقون غير وارد في الحساب، فيّ وفي عِداك يا ربّ! ما بتروح دينة وراها مطالب!، لَكْتُب على الوطن موّال تراب الوطن ما نبدّلوا بأموال... أبو إياس خرّيج مدرسَتي الإميلين توما وحبيبي، والتّوفيقَين طوبي وزياد وصُحف حزب الشّعب: الاتّحاد، الغد، الجديد، الطّريق، زوهديرخ: قارئًا، كاتبًا ومحرّرًا، الناشط الحزبي العريق دون أن يَضلّ الطريق، بل ظَلّ على الطريق رغم الوحشة والنّكسة، كاتب مؤرّخ لا يكفيه ذلك! شجرة تمتد جذورها الى صدره، كي يتظَلّلَ بظلها الغادي والرائح في واحة صحراويّة سلبوا ترابها وماءها، ثمّ امتدّت يدّ الغدر والبطش الى جذورها، جذعها، ساقها، فروعها وثمارها! إلا أنّها بقيت تُبرعم، تُحصحص، تُنْتِش وتنمو، مُتَحَدّية، مكتفية بالنّزر اليسير والتّأقلم، رغم الأحوال والاْهوال الجفاف والاجحاف، تصل الجذور الى غزّة هاشم وقطاعها، الى ضفّة نهر الأردن الذي سيمحو آثار القدم الهمجيّة، الى الجولان العربي السّوري الصامد مع وثيقة أحراره الذي هو لِأصحابه وليس لـِ...وكلابه، الحبس المنزلي لم ولن يردعه، تضييق الخناق شجّعه على الانعتاق رغم الاختناق، ولا بدّ للّيل أن ينجلي، ولا بدّ للقيد أن ينكسر...
الإخوة والأخوات آل ناطور النّاطرين: القرينة أمّ إياس: ندى النّدّ النّديّة، الكريمتان إيناس وغدير، النّجلان: إياس وميراس، الأسرة البيولوجيّة والاجتماعيّة، الأهل، الوطن، الحاضر والغائب والمُغَيّب! لكم تعازينا القلبيّة جميعًا، له الرحمة، ولكم من بعده طول البقاء، وعلى دربه في التّحدّي والتّصدّي، حتى يعود الحقّ الى أصحابه ونصابه.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الانتفاضة، دعوات الاستثمار السريع وسقف الأهداف

featured

عرب البلاد وحقهم في المسكن

featured

تموز 2006: العدوان قبل الفتنة - اليوم: الفتنة قبل أو مع العدوان؟

featured

الاحتلال الجينيّ الوراثيّ

featured

لانتزاع حقوق التعليم العربي

featured

فنون اسرائيلية في الاستغلال والنفاق

featured

مصلحة جماهيرنا العربية، ابعاد لجنة المتابعة العليا عن الصراعات الحزبية الفئوية