إنتهت معركة الانتخابات للكنيست الثامنة عشرة، الا ان نتائج هذه المعركة الانتخابية سوف تشغل بال المجتمع الاسرائيلي برمّته لفترة طويلة. مما لا شك فيه، ان لهذه الانتخابات ظروفا خاصةا، جرت من خلالها عملية الانتخابات ولعل من اهمها ازمة الحكم، استمرار الاحتلال الاسرائيلي المباشر للضفة الغربية الفلسطينية والقدس عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة واستمرار حصار غزة والعدوان الدموي الهمجي على غزة الصمود. الازمة الاقتصادية الخانقة وتفشي العنصرية والكراهية للعرب والهجوم على ما تبقى من الدمقراطية البرجوازية الاسرائيلية. لا اريد في هذه العجالة تلخيص معركة الانتخابات ليس على المستوى القطري الاسرائيلي ولا بين جماهيرنا العربية الفلسطينية مواطني اسرائيل رغم انفها. لم نختر دولة اسرائيل بل اسرائيل جاءت الينا نحن اصحاب البلاد الشرعيين والاصليين.
اريد في هذه العجالة، مناقشة اصحاب فكرة "المقاطعة" والذين ربطوا وما زالوا يربطون بين "المقاطعة" والدعوة لانتخابات مباشرة للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. ما نشاهده في الدول الدمقراطية البرجوازية وعلى رأسها، الولايات المتحدة الامريكية واوروبا الغربية وفي العديد من الدول الاخرى، هو افلاس هذه الدمقراطية، ويأس المواطن منها في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول الاوروبية لا تصل نسبة المصوتين في الانتخابات التشريعية وللرئاسة الى 50%، وهناك لا توجد الحركة الاسلامية الشمالية، ولا ابناء البلد بشقيها.
عدم مشاركة نصف المصوتين في هذه البلدان ليس ناتجا ابدا عن "المقاطعة" المنظمة، بل في اساسه ناتج عن اليأس وعدم المبالاة، وتزعزع الثقة في المؤسسة الحاكمة، التي تخدم مصلحة كبار الرأسماليين. ومن الواضح ان لكل بلد ظروفه الخاصة ومشاكله الخاصة. في اسرائيل نشاهد هبوطا مستمرا بشكل عام في نسبة المشتركين بالانتخابات العامة، ولولا الهجرة الروسية الى اسرائيل لانخفضت النسبة بشكل اكبر واوسع.
لا توجد صور صينية تفصل بين الاقلية العربية الفلسطينية والمجتمع الاسرائيلي. الاقلية العربية تتأثر وتؤثر على المجتمع الاسرائيلي سلبا وايجابا. من الواضح ان للاقلية العربية ظروفها وقضاياها ومشاكلها الخاصة، مثل كونها جزءًا لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال والحصار واستمرار العدوان، ومن سياسة التمييز العنصري والكراهية للعرب وانعدام المساواة. ولذلك ليس صدفة ان تزداد عملية عدم الثقة بين الاقلية العربية والمؤسسة الحاكمة. الحقيقة الواضحة لكل من يريد ان يرى الحقيقة الموضوعية، ان انخفاض نسبة المشتركين بالتصويت للكنيست بين العرب واليهود ليست ناتجة في اساسها عن دعوة منظمة "للمقاطعة" سواء في الشارع اليهودي او في الوسط العربي.
عندما خاض عزمي بشارة في تسعينيات القرن الماضي معركة الانتخابات بتحالف مع الجبهة لم يدعُ ابناء البلد "للمقاطعة". وصحيح كتب الشاعر احمد كيوان ان احد اشد الداعين للمقاطعة يقول انه كان اتفق مع احد قادة الجبهة بانه سيكون هو مرشح ام الفحم في قائمة الجبهة للكنيست في مكان مضمون. وان هذا الوعد لم يحترم على حد زعمه. قبل مجيء الحركة الاسلامية وبعد مجيئها وقبل انشقاقها وبعد انشقاقها وقيام الحركة الاسلامية الشمالية والحركة الاسلامية الجنوبية كانت ظاهرة عدم الاشتراك في عملية الانتخابات للكنيست بين الجماهير العربية. الغريب العجيب، ان بعض الداعين للمقاطعة هم ممن يتموّلون من الجمعيات التي تتموّل من الاتحاد الاوروبي او الجمعيات والصناديق الاوروبية الخيرية، اصدقاء اسرائيل والمغرمين بدمقراطيتها، والذين لا يدعون للمقاطعة لا في اوروبا ولا في اسرائيل.
في 18/2/09 كتب الصحافي توفيق محمد رئيس تحرير صحيفة "صوت الحق والحرية" مقالة في جريدة "المدينة" التابعة للحركة الاسلامية الشمالية الصادرة في ام الفحم تحت عنوان "في الانتخابات القادمة سيخسر المقاطعون". للوهلة الاولى يعتقد قارئ العنوان بان الصحافي توفيق محمد يهاجم من قاطعوا الانتخابات للكنيست الثامنة عشرة، الا ان الامر عكس ذلك تماما. بعد ان حلل نتائج الانتخابات والظروف التي جرت فيها توصل لاستنتاجات صحيحة ومنها انحراف الناخب الاسرائيلي اكثر نحو اليمين وان الناخب العربي كنس الاحزاب الصهيونية وان اليسار الحقيقي في اسرائيل هو الجبهة. وكتب "اما الحقيقة الوحيدة فهي ان اليسار الوحيد في اسرائيل هو الجبهة فقط. وباختصار شديد فان التنافس الانتخابي الاسرائيلي كان بين اليمين واليمين فقط، اذ لا يسار سوى من ذكرنا".
لو اكتفى كاتب المقال عند هذا الحد لقلنا ان تحليله علمي موضوعي، الا انه قام بالتحريض لدرجة الوشاية، اذ كتب بشكل يناقض نفسه "ان النسبة التي قاطعت الانتخابات يوم الثلاثاء الاخير هي الاعلى اذ قاربت الخمسين بالمئة". وفي مكان آخر كتب ان نسبة التصويت اقل بكثير من 50% اذ ان الكثير وربما الآلاف او اكثر من المقاطعين قد صوّتوا بعد العاشرة ليلا رغما عنهم كما يحصل في كل انتخابات". يستنتج صاحبنا من كل هذا، "يتوجب على القيادات السياسية ان تقف وقفة صادقة مع الذات لتتجه نحو انتخاب مباشر للجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب". ثم يستمر صاحبنا بهجومه المبطن على الجبهة وعلى القائمة الموحدة، ويكتب "اذا كان احد الاحزاب السياسية يعتبر نفسه القوة الاولى عبر نتائج الانتخابات المحلية، ما باله لم يكن كذلك في هذه الانتخابات القريبة جدا من تلك، ثم اذا كانت قائمة ثانية وان كانت مكونة من ثلاثة احزاب تعتبر نفسها القوة الاولى بعد هذه الانتخابات ما بالها لم تكن كذلك قبل ثلاثة اشهر من الآن من خلال انتخابات السلطات المحلية".
وعليه يهددنا صاحبنا اذ يكتب "وعليه فان الفيصل هو الانتخابات المباشرة للجنة المتابعة للعليا للجماهير العربية فقط. وليكف الخائفون عن خوفهم، نحن بانتظار الانتخابات القادمة طبعا للجنة المتابعة والتي نأمل ان لا يكون فيها مقاطعون والا فسيكونون هم الخاسرين". صاحبنا يعترف ان حركته دعت للمقاطعة ولم تدعُ للتصويت للقائمة اليسارية الوحيدة كما كتب، الجبهة. الا يعرف صاحبنا وحركته ان الجبهة الدمقراطية اممية التركيب، تناضل من اجل القضايا المفصلية في هذه البلاد، السلام العادل والشامل حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني، واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس العربية في حدود الرابع من حزيران 67، المساواة التامة للاقلية العربية في الحقوق القومية واليومية وللدفاع عن ما تبقى من الدمقراطية البرجوازية وضد العنصرية وغيرها وغيرها من الامور الهامة. اليست هذه الامور هامة لجميع المواطنين اليهود والعرب!!
ثم هنالك قائمة اخرى خاضت الانتخابات البرلمانية، نعم الانتخابات للبرلمان الاسرائيلي ولم يتطرق لها صاحبنا بكلمة واحدة لأنها تشاطره الرأي فيما يتعلق بالانتخابات المباشرة للجنة المتابعة.. ثم اليست حقيقة، ان الجبهة هي القوة الاولى في السلطات المحلية العربية.. اليست القائمة التي يرأسها عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي - وعضو قيادة الجبهة - النائب دوف حنين هي الكتلة الاكبر في بلدية تل ابيب - يافا.. اليست حقيقة - ان لحركتك رئاسة بلدية واكثرية في بلد واحد هو مدينة ام الفحم.. ما هذا التضليل يا هذا.. هل تعتقد ان الجبهة لا تريد اجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة العربية خوفا من حركات واحزاب فاعلة على الساحة العربية؟!!
الجبهة لها مواقف مبدئية، الحزب الشيوعي ومن ثم الجبهة، كان لهما الفضل بالمبادرة لاقامة الاطر الشعبية التمثيلية الواسعة من لجان الطلاب الثانويين والجامعيين، لجنة الدفاع عن الاراضي العربية، لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، لجنة المتابعة العليا لتكون الاطار الكفاحي الموحد لجماهيرنا العربية. الجبهة لا تريد التجزئة، بل تريد اوسع وحدة جماهيرية كفاحية، نحن نريد اطرا تساعدنا في المعركة من اجل المساواة التامة، ونحن لا نريد اطرا لنفرض عليها آراءنا ومواقفنا، نحن نريد اطرا شعبية تساعدنا على كسب الرأي العام الاسرائيلي لقضايانا العادلة. ونحن نريد اطرا تستطيع الاتفاق على قواسم مشتركة، من شأنها رص وحدة صف جماهيرنا في المعركة من اجل المساواة التامة وعدم تحميل جماهيرنا ما لا تستطيع القيام به.
واخيرا وليس آخرا الا يرى صاحبنا رئيس تحرير "صوت الحق والحرية"، انه تجنْى على اولئك الذين لم يذهبوا الى صناديق الاقتراع للكنيست، عندما ربط ذلك بالانتخابات المباشرة للجنة المتابعة العليا، انت تعرف، ونحن نعرف ان الاكثرية الساحقة من اهلنا يريدون لجنة المتابعة العليا، لجنة توحيدية، تتسع لكل الشرفاء لكل الذين يناضلون من اجل المساواة ومن اجل السلام العادل، ولا يريدونها لجنة حزبية او فئوية او فكرية، وليست بديلة للحركات والاحزاب الفاعلة على الساحة السياسية العربية. الجماهير العربية لا تريد تحويل لجنة المتابعة العليا الى برلمان العرب او لاتونوميا عربية هذه القواعد وهذه الثوابت مصدر قوة للجنة المتابعة وليست مصدر ضعف فيها. من يريد مصلحة الجماهير العربية الكفاحية، عليه ابعاد لجنة المتابعة عن الصراعات الحزبية والفكرية.
