السلام والحرب في الشرق الأوسط، بين الإخفاق ومحاولات النجاح

single

يشكِّل الشرق الأوسط الكبير الممتد من المحيط الأطلسي غربًا حتى الخليج العربي وسواحل إيران شرقًا، نقطة تقاطع وكنزًا في الجغرافية السياسية والاقتصادية والمالية، لأكثر الدول استعمارية ووحشية  في السلب والنهب والتدمير. ففي هذه المنطقة وعند عتبتها الأولى، تبدو المصالح الاستراتيجية القريبة والبعيدة فيها، هي الأكثر وضوحًا في مسألة الصراع وكيفية السيطرة الاستعمارية عليها. إذ تشكل الأهداف والسياسة العدوانية للولايات المتحدة وحكام إسرائيل وأوروبا الغربية تحالفًا مبنيًا على توافق المصالح وحمايتها ضاربة عرض الحائط بمصالح وتطلعات الشعوب القاطنة فيه والشعب الفلسطيني هو احد هذه الشعوب، والذي هو ضحية من ضحايا هذه السياسة والمؤامرة الاستعمارية – البريطانية وفيما بعد الأمريكية والصهيونية.

 


* على ماذا يدور الصراع

 


إن منطقة الشرق الأوسط/ المنطقة العربية بالذات، وبعد انفضاض الاستعمار الفرنسي والبريطاني في منتصف القرن الماضي ونتيجة للتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وانحسار قوى الاستعمار عالميًا، اضطرت القوتان الاستعماريتان الأقوى في الشرق الأوسط في حينه الفرنسية والبريطانية إلى الانسحاب من البلاد العربية ونتيجة لاشتداد المقاومة العربية والتحررية لها. إلا ان رحيلها عن المنطقة العربية ترك مسالك وبوابات عديدة تمكن الدخول إلى هذه المنطقة عبرها. وهذا كان على الصعيد الاقتصادي والسياسي والعسكري والاجتماعي وغيره. وفي هذه الحالة تبدل الاستعمار الهرم باستعمار يملك مخالب وأسنانا وسياسة تبعية اقتصادية وسياسية بحيث أبقى على أنظمة الحكم العربية وخاصة تلك الدائرة في فلك السياسة والمصالح الاستعمارية. وكان لاكتشاف النفط في المنطقة العربية أثره الكبير في تشديد القبضة وإحكام السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة في الحرية والاستقلال والتحرر. وقد بدأ الصراع منذ بدايته يتمحور طبقيًا وسياسيًا واقتصاديًا، بين الأكثرية الساحقة من الشعوب العربية،في كيفية التخلص من الأنظمة المستبدة والمدعومة أمريكيا وأوروبيا والمحمية استعماريًا من جهة، ومن جهة أخرى السياسات الاستعمارية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية التي وضعت مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية ونفوذها الضارب في كفة، وتطلعات وآمال وتطلعات شعوب المنطقة في التحرر والاستقلال وللشعب الفلسطيني الحرية في التخلص من قبضة الابن المدلل إسرائيل، في كفة أخرى. ومن هذا المنطلق الطبقي السياسي تسعى الولايات المتحدة مع حليفها الأساس حكام إسرائيل والغرب عمومًا، إلى إبقاء منطقة الشرق الأوسط منطقة مشتعلة دائمًا، فيما تحتفظ الولايات المتحدة وحلفاؤها على وسائل الإطفاء والاشتعال المؤقت حسبما تقتضيه المصالح العليا للامبريالية والصهيونية، ولهذا نجد ومع مرور أكثر من نصف قرن، ان الشرق الأوسط يعاني ليس فقط من عدم الاستقرار، وإنما شهد عشرات الحروب، أكثريتها شنت مباشرة من قبل حكام إسرائيل وبدعم وتسليح غربي استعماري. فيما هذه الدعم عزز من مكانة إسرائيل كقوة عدوانية توسعية وكسرطان ينهش في الجسم الفلسطيني أولا للحيلولة دون تحقيق أحلامه في الحرية والاستقلال، بل العمل على قبر ودفن هذا الحلم قبل ان يولد أو يتحقق، وهناك حروب داخلية من غزوات وقطع علاقات بين الأشقاء العرب وجيرانهم من غير العرب بدعم عربي ورجعي ودعم مالي وعسكري وسياسي أمريكي وأوروبي مباشر. واليوم يعاني الشرق الأوسط وشعوبه العربية مؤامرة أطرافها عربية وذيولها وخططها واستراتيجيتها وأهدافها أمريكية صهيونية وأوروبية وإقليمية، بدأت من إهمال وتهميش وتقسيم حجر الزاوية في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو الحقوق الفلسطينية، إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ومحاولات الإبقاء على الخلاف الداخلي ومحاولة للاستفراد ووضع القيادة الفلسطينية تحت المظلة الأمريكية. وهذه السياسة الجديدة القديمة كانت قد بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة منذ اتفاقيات أوسلو ومحاولة جر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى التلم الأمريكي.
اليوم وفي إطار تشعب المصالح الغربية، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة وأوروبا وحالة عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي، يسعى القطب الرأسمالي الاحتكاري الأمريكي، والذي يمثل رأس الأفعى في كل السياسة العدوانية الامبريالية، إلى زيادة درجة السلب والنهب على حساب الشعوب الأخرى، ولهذا يسعى الأمريكيون وحكام إسرائيل والأوروبيون إلى إعادة بناء شرق أوسط جديد على هواهم ومتطلبات مصالحهم الطبقية، يساعدهم في ذلك دول المال العربي من قطر والسعودية وبعض الأنظمة العربية الجديدة، التي ترى في الحماية الأمريكية سندًا قويًا لرعايةمصالحها السياسية والطبقية. هكذا يسير حُكم الإخوان في مصر والذين أجهضوا الثورة وكذلك في العراق وتونس واليمن والسودان والمغرب والأردن.

 


* المؤامرة كبيرة وخطيرة

 


تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون وإسرائيل، خاصة بعد سيطرة القطب الواحد الرأسمالي على العالم، منذ أواسط التسعينيات من القرن المنصرم، من فرض سطوتها على خيرات ومقدرات الشعوب في الشرق الأوسط. فيما تسعى الشعوب العربية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني المقاوم الرازح تحت الاحتلال، إلى مقاومة السياسة الأمريكية الغربية عامة، ويتعاظم كفاح الجماهير الشعبية في انحاء الوطن العربي للحد من سيطرة الشركات الغربية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي التدخل في الشؤون المعيشية لهذه الشعوب، ولهذا وفي ظل تنامي الحركات الشعبية الاجتماعية للحد من نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها والتدخل في شؤون السياسة الاقتصادية والسياسية والحياة العامة في دول الشرق الأوسط، رأت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحكام إسرائيل، ان من الضروري وضع استراتيجية بعيدة المدى لضمان تدفق البترول العربي وحماية المصالح الغربية، في ظل تنامي خطر السيطرة على زمام الأمور من قبل قوى متطرفة شديدة العداء للغرب في هذه الدول، والخوف من بديل سياسي واقتصادي يؤدي بالمصالح الغربية إلى الإفلاس والهاوية. ولهذا تم وضع خطة أو الأصح إخراج الخطة من جوارير مهندسي السياسة الامبريالية، أي بمعنى المؤامرة الكبيرة والخطيرة والتي يجري تنفيذ بنودها والتي تتمثل في بناء شرق أوسط وفق المصالح والسياسة الغربية والأمريكية بالذات، وإطلاق اليد العدوانية لحكام إسرائيل في ضرب أي تحرك عربي من شأنه تهديد هذه المصالح التي تقوم على خطة أمريكية بتقسيم العالم العربي إلى دويلات وإمارات ضعيفة، فيما يؤدي ذلك الى تعميق روح التعصب والانقسام والتشرذم في الجسد العربي الواحد وتنصيب أنظمة وقيادات أكثر ولاءً وتنفيذًا للسياسة الأمريكية، وتدجين الجامعة العربية وجعلها قوة للتشرذم والانقسام وتقوية وتسليح ودعم أنظمة عربية بهدف النيل من أنظمة وشعوب عربية أخرى مثلما يجري في سوريا اليوم.
لقد جرى تقسيم السودان إلى قسمين وكذلك جرى بيع العراق إلى مناطق للأكراد والشيعة والسنة، واليوم المؤامرة الكبيرة كجزء من المخطط هي استهداف سوريا وقد أصبحت مفضوحة أكثر مع تنامي الدعم والمساندة من الامبرياليين والأتراك والعرب الأمريكان، للعصابات الإجرامية الخارجة عن القانون الشرعي والإنساني والتي تريد ان تذبح الشعب السوري خدمة للمصالح الغربية وأذنابهم من القطريين والسعوديين وغيرهم، ثم يأتي المخطط الثاني بتقسيم دولة كبيرة وغنية مثل السعودية كما قُسم السودان وسيجري استهداف دول أخرى على الطريقة نفسها مثل ليبيا والجزائر ومصر وغيرهما. ان خطر التقسيم وارد في الحسابات الأمريكية باعتباره الأسهل والأقل تكلفة من إرسال الجيوش والأسلحة، وهذا يتم بواسطة قوى عميلة محلية تحت يافطة البحث عن جذور الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتي جرى تنصيب الأمريكان والأوروبيين أوصياء عليها في القاموس السياسي لسلطة رأس المال في عالم المال المتدفق على رؤوس ودماء الآلاف من البشر والشعوب في الشرق الأوسط.
إن السلام والحرب في الشرق الأوسط، خاضع لرؤية طبقية وفق المصالح الأمريكية والغربية عامة. وان شعوب المنطقة على قناعة تامة انها تستطيع ان تتجاوز خلافاتها وان تعقد الأمل والسلام الذي يرنو إليه الجميع. ان الأمريكيين والأوروبيين والصهيونيين يسعون بصورة دائمة وخلال أكثر من نصف قرن إلى إخماد البركان كلما تتطلب مصالحهم ذلك تارة، وأخرى إلى نبش وتحريك البركان كي يبقى مشتعلا، مما يعني عدم الاستقرار في هذه المنطقة وضرب مصالح الشعوب والعيش وفق الإرادة الأمريكية ما بين حالة أللا حرب وأللا سلم. لكن الشعوب بإرادتها الصلبة تعرف كيف ترد الصاع صاعين ولن تعطي هذه الفرصة والإمكانية لأولئك الذين يتاجرون بدماء الشعوب وحريتها، فحركة التاريخ والشعوب دائمًا هي الأقوى وتسير إلى الأمام بعكس ما يخطط له أعداء الشعوب من الأمريكيين والأوروبيين والصهيونيين واذنابهم في المنطقة والعالم.

 


(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ضحايا عمليات الإرهاب والاقتراب

featured

سِفرٌ جديد في آذار العهد الجديد

featured

قليل من المعرفة وقليل من المنطق لمعرفة الحقيقة

featured

وليكن كل يوم فجرنا جديدا

featured

من أنواع المعيشة

featured

لفرض وقف العدوان على حكومة المجازر

featured

تحت غطاء الديموقراطية

featured

النقب بانتظار دعمنا