العلاقات الأمريكية- السعودية تتآكل

single

عندما قاربت الحرب العالمية الثانية علي الانتهاء في فبراير 1945 التقي الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت العاهل السعودي الملك عبد العزيز بن سعود لأول مرة علي سفينة حربية في قناة السويس. وبعد هذا اللقاء تمتعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية عبر ستة عقود بعلاقات وثيقة منقطعة النظير. فقد ساهمت الشركات الأمريكية التي اكتشفت الذهب الأسود في الصحراء السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي في جعل المملكة أكبر مُُصدّر للبترول في العالم ومَصْدرا رئيسيا للنفط في السوق الأمريكية. ومن جانبهم وضع السعوديون أراضيهم ومنشآتهم العسكرية تحت تصرف القوات الأمريكية كي يضمنوا حماية الولايات المتحدة لآل سعود.
بيد أن هذه العلاقة الخاصة وئدت تحت رماد برجي التجارة العالميين والبنتاجون. فقد كان خمسة عشر فردا من المختطفين التسعة عشر المشاركين في الهجمات مواطنين سعوديين كما أن العقل المدبر أسامة بن لادن سليل إحدى أرفع العائلات في المملكة - وهما عاملان عرّضا السعودية لنقد قاس في الكونجرس الأمريكي ووسائل الإعلام الأمريكية.
وفضلا عن ذلك فإن أكبر فرقة ممن أطلق عليهم "أعداء مقاتلون" الذين ألقت القوات الأمريكية القبض عليهم في أفغانستان بعد الإطاحة بنظام الطالبان في أواخر عام 2001 تبين أنهم سعوديون. وكان كثيرون من منفذي العمليات الانتحارية التي أودت بحياة الجنود الأمريكيين في العراق إثر الإطاحة بصدام حسين عام 2003 سعوديين أيضا. وعلى عكس دول عربية وإسلامية كثيرة في مقدمتها البحرين ومصر والأردن والكويت وباكستان فإن السعودية اليوم لا توصف بأنها حليف رئيسي خارج الناتو (منظمة حلف شمال الأطلسي) وتتحدث واشنطن والرياض عن "الحوار الدبلوماسي" وهو من باب الدهاء الدبلوماسي الذي يضفي غموضا لا يعرف معه إن كانت الدولتان تريان أنهما صديقتين أم عدوتين.
وبعد أن كانت السعودية تعتبر الولايات المتحدة طيلة عقود مصدر أمنها الأساسي فإن العائلة المالكة تعتبرها اليوم سببا لزعزعة استقرارها. ومنذ أحداث 11سبتمبر تزايدت عدم ثقة الرياض في واشنطن وصارت أكثر إلحاحا في التأكيد علي مصالحها. وأخذت تسعي لإقامة علاقات شراكة مع الصين وأوروبا وروسيا والقوى الإقليمية مثل باكستان وتركيا ولم تعد تمنح واشنطن نفوذا كبيرا في تقرير سياستها الدفاعية والخارجية. وهي تود أن تكون العلاقة الأمريكية السعودية طبيعية وليست خاصة.

* كشف الأوراق


وتزايد عدم ثقة السعودية في الولايات المتحدة وازدياد جسارتها في تحقيق مصالحها. بدأت الشراكة السعودية الأمريكية تتكشف حتى قبل صدمة الحادي عشر من سبتمبر. فبعد فترة وجيزة من تولي جورج بوش رئاسة الولايات المتحدة شعر ولي العهد السعودي الأمير عبد الله الذي صار ملكا في أغسطس 2005 بالغضب من واشنطن بسبب عدم اهتمامها جديا بعملية السلام في الشرق الأوسط. وفي أغسطس 2001 هدد بتجميد التعاون العسكري والسياسي مع الولايات المتحدة ما لم يتخذ بوش إجراء لإحياء المفاوضات المتداعية . وردا علي ذلك أعلن كولين باول وزير الخارجية الأمريكية آنذاك في شهر نوفمبر أن الولايات المتحدة ستنتهج سياسة جديدة تؤازر هدف السعودية في قيام دولة فلسطينية إلي جانب إسرائيل - وهي الفكرة التي تمت صياغتها رسميا فيما بعد في خطة الأمير عبد الله للسلام التي تعرض على إسرائيل تطبيع العلاقات مع العالم العربي مقابل الانسحاب إلي حدود ما قبل عام 1967. بيد أن بوش لم يفعل شيئا لدعم هذا الهدف حتى انعقاد مؤتمر انابوليس في نوفمبر 2007، بل إن هذه المبادرة المتأخرة لم تسفر عن نتائج ملموسة.

* خيبة الأمل


وتضاعف شعور السعودية بخيبة الأمل جراء الآثار المترتبة علي الغزو الأمريكي للعراق الذي كان له أثر بالغ علي المملكة العربية السعودية. فعلي مدي قرون، كان العراق حصن "القوة السنية" والسد المنيع في وجه "التغلغل الفارسي" في العالم العربي. وقد أقام التدخل الأمريكي حكومة ذات أغلبية شيعية في بغداد مما أخل بشدة توازن القوة الشيعية السنية في الخليج الفارسي لصالح إيران. وكما صرح وزير الخارجية السعودي فيما بعد أمام الحضور في جامعة رايس فإن الولايات المتحدة قدمت العراق "على طبق من ذهب" لإيران.
"وبعد فترة وجيزة من الإطاحة بصدام حسين طردت الحكومة السعودية القوة الجوية الأمريكية من القاعدة التي كانت تستخدمها منذ حرب الخليج عام 91- 1990. وفي يونيو 2003 تخلى الأمير عبد الله عن المفاوضات المتوقفة مع شركات النفط الأمريكية وتحول إلى المؤسسات الصينية والأوروبية والروسية للانضمام إلي شركة النفط الحكومية "أرامكو" السعودية في التنقيب عن آبار غاز جديدة - وهي الشركة التي كانت تاريخيا تجسد العلاقة الأمريكية السعودية الخاصة.
وقد أبرزت حملة إدارة الرئيس لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط الخلافات الأساسية الفلسفية والإستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية. وأغضبت أجندة بوش للحرية الأمير عبد الله الذي وقف إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك في التنديد بنداءات واشنطن الداعية للإصلاح السياسي. فمن وجهة نظر السعوديين قدّم اندلاع العنف الطائفي على نطاق واسع في العراق إثر الغزو الأمريكي مثالا على سذاجة أجندة واشنطن لدعم الديمقراطية. بل إنه حتى بعد هدوء حوادث الاقتتال الطائفي عام 2007 لم تشعر الرياض بالرضا عن ثمار الديمقراطية في العراق.

* رجل واشنطن


ورغم أن السعودية تشاطر الولايات المتحدة أهدافها في الحيلولة دون اندلاع حرب أهلية في العراق والإبقاء علي تماسك البلاد فإنها أبدت تعاطفا ضئيلا مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي رجل واشنطن في بغداد. ويرى الملك عبد الله أن المالكي عميل إيراني وقد رفض حتى الآن مقابلته. كما تباطأ الملك في إعادة فتح السفارة السعودية في بغداد، على الرغم من مناشدات واشنطن. ويعتقد السعوديون أن حكومة المالكي ذات الأغلبية الشيعية غير مهتمة بمشاركة السلطة مع الأقلية السنية، ويخشون أن الحرب الأهلية ستستعر بجدية مرة أخرى بمجرد رحيل القوات الأمريكية - وهو تطور ستضطر معه الرياض لتقديم الدعم المالي والعسكري للأقلية السنية لمعادلة المساعدات الإيرانية للجماعات الشيعية.
ورغم أن السعوديين لم يعودوا يؤيدون الوجود الأمريكي علي أراضيهم فقد رحبوا سرا باستمرار انتشار القوات الأمريكية في قواعد في دول أخرى تشكل جزءا من مجلس التعاون الخليجي؛ ويرغبون في أن ترى إيران أن الذراع العسكرية الأمريكية أصبحت رخوة العضلات بعد العراق.
لكن الرياض لا تؤيد المواجهة المباشرة مع طهران، وتشعر بالقلق من أن الهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية علي المنشآت النووية الإيرانية ستدفع إيران للقيام بأعمال انتقامية ضد دول مجلس التعاون الخليجي التي تستضيف القوات الأمريكية أو بقصف منشآت النفط السعودية. وتسلط هذه الورطة الضوء على الخلاف الجوهري بين الحكومتين السعودية والأمريكية فيما يتعلق بإيجاد إطار أمن جماعي يحمي الدول العربية من إيران. وقد أُحبطت دوما الجهود الأمريكية الرامية إلي زيادة التعاون العسكري بين الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي - بغية إحداث التكامل بين الدفاعات الجوية والمضادة للصواريخ في هذه الدول نتيجة للنزاعات السياسية التافهة واختلاف الاستراتيجيات الأمنية والامتعاض من الهيمنة السعودية والشكوك في العراق. وعندما أبلغ وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس - مؤتمرا عُقد في البحرين في ديسمبر 2008 وحضره وزراء الدفاع وكبار الضباط في دول مجلس التعاون الخليجي - أن "العراق يود أن يكون شريكا لهم وأنه في ضوء التحديات في الخليج وحقيقة إيران فإن عليكم أن تكونوا شركاءه"، لم يتسم رد فعلهم بالحماس. وقابلت السعودية هذا الاقتراح بالصمت المطبق. وقد سبق أن عارض السعوديون عضوية العراق في مجلس التعاون الخليجي إبان عهد صدام حسين خشية طموحاته في السيطرة علي الدول المجاورة لبلاده الغنية بالنفط - وهي مخاوف أكد الغزو العراقي للكويت عام 1990 صحتها. ومن ثم فإن إقناع هذه الدول اليوم بأن العراق في ظل الحكم الشيعي ليس امتدادا لإيران لن يكون أمرا سهلا.

* أرضية مشتركة

رغم اهتراء العلاقة الخاصة بين الدولتين فإن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لا تزال بينهما مصالح مشتركة كثيرة. إذ تظل المملكة أكبر منتج للنفط ولديها منه أكبر مخزون في العالم كما أن الولايات المتحدة أكبر عميل لها. وترغب الدولتان في ضمان تدفق النفط السعودي في الأسواق العالمية دون انقطاع نتيجة لأعمال تقوم بها إيران أو جماعات "إرهابية": إذ تواجه كلتا الدولتين تهديدا خطيرا من القاعدة: وترغب كلتاهما في احتواء مطامح إيران السياسية في المنطقة وإحباط البرنامج النووي لطهران وتنظر كل منهما للأخرى للمساعدة في حل الأزمة المالية العالمية الراهنة. وقد استمر السعوديون في دعم الدولار في جميع الظروف السيئة في أوائل عام 2008 مدافعين عنه في وجه الضغوط من جانب حلفائهم في الخليج الفارسي العربي بهدف فصل عملاتهم عن الدولار وحساب أسعار النفط بعملات أخرى. وقد كان لثقتهم في الدولار ما بررها، عندما سعت دول أخرى في مقدمتها الصين لشراء المزيد من سندات وزارة الخزانة الأمريكية كملاذ من أزماتها الاقتصادية الراهنة. وجل ما تهتم به السعودية الآن أن ترى انتعاشا سريعا للولايات المتحدة من شأنه أن ينعش الاقتصاد العالمي الذي يعاني الكساد وينشط الطلب علي المزيد من النفط.
ومنذ أن بدأت القاعدة تشن هجمات داخل السعودية في مايو 2003، أخذت الدولتان تعملان معا بصورة وثيقة لـ"مكافحة الإرهاب"، بما في ذلك التبادل الفوري للاستخبارات لتعقب وإحباط "الإرهابيين" وإلقاء القبض عليهم. كما عمل السعوديون مع الحكومة الأمريكية لتشكيل قوة قوامها 35 ألف جندي لحماية منشآت النفط في المملكة، والتي استهدفتها القاعدة مرتين.
كما أن الملك عبد الله تواق لإعادة بناء الروابط التعليمية بين بلاده والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه تساعد عدد من الجامعات الأمريكية في تزويد المراكز الأكاديمية السعودية الجديدة، مثل استحداث جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا بالقرب من جدة والتي خرجت علي قواعد القيود الدينية بأن سمحت باختلاط الطلاب والطالبات في قاعات الدراسة.
وعلي الرغم من تقاعس القادة السعوديين عن السماح بوجود عسكري أمريكي علي أراضي المملكة، فإنه ما زال هناك قدر كبير من التعاون العسكري. ويشمل ذلك التدريبات المشتركة بين جيوش الدولتين وقواتهما الجوية، وتدريب الضباط السعوديين في الولايات المتحدة، وصفقات أسلحة قيمتها 3,7 مليار دولار بهدف تحديث الحرس الوطني السعودي ورفع مستوي ترسانة الرياض من أجهزة الإنذار المبكر أواكس وطائراتF-15. بل إن الدولتين وقعتا في مايو الماضي على مذكرة تفاهم بخصوص التعاون النووي وافقت واشنطن بموجبها علي مساعدة الرياض في إنشاء مصادر طاقة نووية مدنية آمنة ولا تسبب أضرارا بيئية.

* فلسطين على الأجندة


و تهتم الدولتان بحل عدد من أكثر المشكلات إزعاجا في الشرق الأوسط. إذ ترغب واشنطن والرياض في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ودعم الاستقرار في أفغانستان وباكستان ولبنان والأراضي الفلسطينية. إلا أن الاهتمامات المشتركة لا تعني استرتيجية مشتركة. وفيما يخص أفغانستان فمن المرجح أن يعترض السعوديون: فهم يعتبرون تنامي حشود القوات الأمريكية وزيادة التزام واشنطن بإقامة حكومة مركزية قوية ضربا من التهور. وفي ديسمبر2008 نصح السفير السعودي السابق لدى واشنطن الأمير تركي الفيصل إدارة الرئيس أوباما بأن يلقوا القبض على بن لادن والظواهري ثم الخروج من أفغانستان. وفضلا عن ذلك فإن السعوديين أقل اهتماما من الأمريكيين باحتمال اضطلاع جماعة الطالبان التي انتعشت من جديد بدور في حكومة مركزية يعاد تشكيلها في أفغانستان. فلقد كانت السعودية إحدى ثلاث دول اعترفت بنظام الطالبان القديم في التسعينيات، كما أن الفكر الوهابي المتشدد الشائع في المملكة الذي لا يتسامح مع المسيحيين واليهود والمذاهب الإسلامية الأخرى يشبه إلي حد كبير الفكر المتزمت لجماعة الطالبان. وفي باكستان تشارك الرياض وجهة نظر واشنطن في تحقيق الاستقرار ولكنها تكترث قليلا بمصير الديمقراطية.
ففي لبنان عملت واشنطن والرياض معا علي احتواء وإضعاف حزب الله الذي تسانده إيران وسورية. ودأبت الحكومتان علي تأييد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وتحالفه الواهن بين المسلمين والمسيحيين. كما أن السعوديين يسعون لتحقيق مصالحهم هناك فهم يغدقون الأموال علي الجماعات السلفية التي تشكل ميليشيات للتصدي لحزب الله.. وتبقى خطة الأمير عبد الله لعام 2002 للسلام أساسا مثيرا للاهتمام للتعاون بين الولايات المتحدة والسعودية فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وهي الخطة التي وافقت عليها بالإجماع القمة العربية عام 2002. وقد نظر إليها كل من إيهود أولمرت بشيء من الرضا. أما الرئيس أوباما الذي خصّ قناة "العربية" المملوكة للسعودية بأول حديث يدلي به عقب توليه الرئاسة فقد امتدح الملك عبد الله لشجاعته في طرح مقترحات للسلام. بيد أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد عارض الخطة السعودية بشدة.
والخلاصة هي أن إدارة الرئيس أوباما يجب أن تهيئ نفسها لعلاقة لا يمكني التنبؤ بها مع المملكة العربية السعودية تحظي في جانب منها باستعدادها للسعي وراء المصالح المشتركة وفي جانب آخر تشوبها خلافات حادة بشأن تضارب المصالح. كما يجب عليها ألا تتوقع كما فعلت الإدارات الأمريكية السابقة أن تكون السعودية مستعدة وجاهزة لتلبية المطالب الأمريكية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا تريدون عرب في كفار فرديم؟ أعيدوا الأرض!

featured

ليس كل من ركب الخيل خيالا

featured

تاريخ عيد الأم في العالم العربي

featured

كشف خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (1-2)

featured

"وَدَاعًا يَا وَطَنِي"

featured

بقاء الأوطان في بناء مشروع وطني ديمقراطي

featured

بعض من "هناء"