التصويت كفعل مواجهة

single

*المسألة غير قابلة للاختزال بين قوسَيّ "إما كل شيء أو لا شيء". ما هكذا يصحّ التعاطي مع السياسة. لأن كل واقع مركب يستحق مواجهته بأدوات مركبة. والواقع السياسي مركب بالضرورة. فمن جهة، لا يُعقل اختزال النضال السياسي الى ذلك البرلماني (التكنسُت وحده هو فشل!)، ومن جهة أخرى من غير الجدّي جعل الكنيست رمزًا مجرّدًا يجري التعامل معه بمفاهيم أقرب الى الرومانسية منها الى العقلانية والبراغماتية المضبوطة بالأخلاق*

صباح الأربعاء، 11 شباط 2009، سننهض جميعًا الى واقع سيتوجب علينا مواصلة مواجهته. نظريًا، هناك عدة مهارب ممكنة من الواقع، ولكن السؤال هو ما إذا كانت تلك مهارب حقيقية. برأيي أنها مهارب وهمية، لأنه حتى لو نجح الفرد في تجاهل الواقع فإنه سيظل جزءًا منه، متأثّرًا به، وغير قادر على عدم التفاعل معه ولو بصفة منفعِل، لو قرر ألا يكون فاعلا.
الواقع المقصود هو الواقع السياسي الذي ستفرزه الانتخابات القربية جدًا. هذا ليس واقعًا يخصّ السياسيين والأحزاب وناشطاتها وناشطيها فقط. لا، بالمرة. هذا واقع سيلمس كل فرد في هذه الدولة نتائجه وإسقاطاته. وهي ستكون نتائج مختلفة الوقع، وفقًا لمكان ومكانة الفرد العينيّ. والأمكنة تتفاوت كثيرًا بين مستوطنة "ألون موريه" وبين أم الفحم؛ بين قرية قصر السرّ غير المعترف بها في النقب وبين بلدة الأثرياء عومر؛ بين هرتسليا وشمال تل أبيب وبين اللد والرملة. فالنتائج لن تسقط على أرض مستوية، بل على أرض صعبة الملامح من حيث حدة تضاريسها. لأنها تضاريس يحددها المكان والمكانة القوميّان والطبقيّان التي يقع فيها كل فرد.
يبدو أن الحكومة الاسرائيلية القادمة ستكون يمينيّة بأبشع أشكال التشدّد. مستوطنو "ألون موريه" سيُسعدهم تدفّق الميزانيات المخصصة للتوسّع الكولونيالي على حساب الأراضي الفلسطينية. أثرياء شمال تل أبيب وهرتسليا سيعيشون بارتياح مع حكومة ستعمّق سياسات الخصخصة ودعم الرأسمال الفردي (ما يسمى "تشجيع الاستثمار") وضرب الخدمات الاجتماعية للطبقتين الوسطى والأفقر منها. أما الهوّة بين قصر السرّ وعومر فستبتلع المزيد من حقوق العرب البدو وترفع من امتيازات من يعتبرون أنفسهم أسيادًا في عومر.
أهالي قصر السرّ وأم الفحم واللد والرملة لديهم صوتٌ يجب أن يظل حاضرًا ومدويًا. إنه صوت الذين تهدّدهم سياسات التمييز والإقصاء والتهميش والقمع القومي والطبقي. لهذا الصوت الذي يجب أن يرتفع عدة تجليات؛ من المظاهرة والاعتصام والعمل التطوعي والتنظّم المحلي لمواجهة شتى المخاطر، وحتى المحاربة من أجل تمثيل الأهالي وقضاياهم في كل مؤسسة تمثيلية يشكّل تمثيلهم فيها تعبيرًا ما عن مطلبهم المدني بالمساواة. هنا، يجب التفكير بجديّة بالتمثيل البرلماني وأهميته.
حتى لو كانت الكنيست مجرد منبر لرفع الصوت وفضح السياسات الحكومية، فإن هذا يكفي لعدم التنازل عن صُنع وبناء حضور صوت قصر السرّ وأم الفحم واللد والرملة في هذه الهيئة. لكن، وبالرغم من محدودية فضاء التحرّك في مقرّ صنع السياسات الاسرائيلية المتمثل بالكنيست، فهناك ما يفوق إحضار الصوت. هناك إمكانيات حقيقية لتحقيق إنجازات محددة وصدّ بعض السياسات. المسألة غير قابلة للاختزال بين قوسَيّ "إما كل شيء أو لا شيء". ما هكذا يصحّ التعاطي مع السياسة. لأن كل واقع مركب يستحق مواجهته بأدوات مركبة. والواقع السياسي مركب بالضرورة. فمن جهة، لا يُعقل اختزال النضال السياسي الى ذلك البرلماني (التكنسُت وحده هو فشل!)، ومن جهة أخرى من غير الجدّي جعل الكنيست رمزًا مجرّدًا يجري التعامل معه بمفاهيم أقرب الى الرومانسية منها الى العقلانية والبراغماتية المضبوطة بالأخلاق.
مهما كان قرار كل فرد من جماهيرنا، فيجب أن يظلّ التعامل معه يحظى بالاحترام، انطلاقًا من حرية الرأي والحق في الاختلاف. من هنا، بعيدًا عن التنظير والاستخفاف و "الأستذة" المقيتة، من المهم التفكير مليًا في أهمية تقوية صوت جماهيرنا عبر حشد أصواتنا، كحزمة لا تنكسِر، وفرضه مدويًا، مواجِهًا، معارِضًا ومؤثرًا في كل موقع ومنبر. سأكرّر قائلا: لا نملك ترف الإنكفاء ولا اختيار العزلة الاختيارية. وأمام مؤسسة تستبني تقوية سيطرتها على منطق عزل العرب وطردهم من فضاء الشرعية والحقوق، تزداد أهمية ما سلف. فأمام استراتيجية الأبرتهايد السلطوية لا يصحّ الوقوف جانبًا.
لقد أكدت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة دومًا أن الكنيست ليست إكسير حياتنا ولا مجسّد وطنيتنا ولا "شاطئنا البعيد"؛ بل هي حلبة إضافية للنضال، المواجهة والتحدّي. عملا بهذا المنطق العمليّ الذي لا يقدّم أية تنازلات مبدئية، فمن واجبنا رفع الصوت. وصوتنا شاهق لأنه يشمخ من أصلب أرضية؛ من حقوقنا الشرعية، الفردية والجماعية معًا. فلنضم أصواتنا ليظلّ صوتنا مدويًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"سُفُنُ الحُرِّيَّةِ"

featured

تحذيرات موسمية

featured

أن تكون ضد المؤامرة.. وقائدا للتغيير

featured

سياسات رفع الدعم و"روشتة" البنك الدولي

featured

لماذا سقطنا نحن العرب في هذا المستنقع من التخلف والردة وماضينا عبر التاريخ ليس كذلك؟

featured

في ذكرى نكسة الـ67

featured

وماذا بعد الاعتراف بدولة فلسطين..؟

featured

صوت الإنسان أغابيوس